(بَيْنِ المَنْظُومِ والمَنْثُورِ)

(عن حسن بنيخلف، إشكالات النّثر العربـيّ القديم وخصائصه، 09 يوليو 2012م، ديوان العرب (منبر حرّ للثّقافة والفكر والأدب)، تاريخ الزّيارة: 07/04/2020م، (www.diwanalarab.com

          إنَّ الحديث عن النّثر في الأدب العربيّ يَرِدُ عنْد كثيرٍ مِنَ الدّارسين في إطار مقارنته بالشّعر. وهي مقارنة تجعل منْه، غالباً، جِنْساً أدبيّاً أدْنى مَرْتَبَةً مِنَ الشّعر، أو أضْعف تأثيراً، أو أقلّ حضوراً. وهذا ما تُفْصِحُ عنْه أقوال بعْض القدامى: قال (أبو الحسن السلامي، شاعر عبّاسيّ ت. 393ه): "مِنْ فضائلِ النَّظْمِ أَنْ صارَ [لَنَا] صناعةٌ برأسِها، وتَكَلَّمَ النّاسُ في قوافِيها، و تَوَسَّعُوا في تصاريفِها وأعاريضِها، وتصرَّفُوا في بحورِها... وما هكذا النَّثْرُ، فإنَّه قَصُرَ عن هذه الذُّرْوَةِ الشَّامِخَةِ، وَالقِلَّةِ العَالِيَّةِ...". وقال (ابن نباتة، شاعر مصريّ ت. 768ه): "مِنْ فَضْلِ النَّظْمِ أَنَّ الشَّوَاهِدَ لا تُوجَدُ إلّا فِيهِ، والحُجَجَ لا تُؤْخَذُ إلَّا مِنْهُ، أَعْنِي [أَنَّ] العُلَمَاءَ والحُكَمَاءَ وَاللُّغَوِيِّينَ يَقُولُونَ: "قَالَ الشَّاعِرُ"؛ وَ"هَذَا كَثِيرٌ فِي الشِّعْرِ"، وَ"الشِّعْرُ قَدْ أَتَى بِهِ"، فَعَلَى هَذَا، الشَّاعِرُ هُوَ صَاحِبُ الحُجَّةِ، وَالشِّعْرُ هُوَ الحُجَّةُ».

          إِنَّ الشِّعْرَ يَفْضُلُ النَّثْرَ لكونه أصْبح صناعةً لها قواعدها المُتعارف عليها. كما أنّه مصدرٌ للاستشهاد والاحتجاج، فمنْه يستقي العُلماء والحُكماء واللُّغويون حُجَجَهم وشواهدَهم. وفي المقابل نجد مواقف أخرى تنتصر للنّثر لكونه الأصل الذّي يَشْرُفُ على فرْعه وهو الشّعر، على الرّغم مِنْ أنَّ أصحابها يعترفون بأنَّ لكلٍّ منْهما محاسن ومساوئ؛ يقول (أبو حيان التوحيدي، مِنْ كتاب الإمْتاع والمؤانسة ت. 414ه ): «...النَّثْرُ أَصْلُ الكَلَامِ، وَالنَّظْمُ فَرْعُهُ؛ وَالأَصْلُ أَشْرَفُ مِنَ الفَرْعِ، وَالفَرْعُ أَنْقَصُ مِنَ الأَصْلِ؛ لَكِنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا زَائِنَاتٌ وَشَائِنَاتٌ». بَيْدَ أنَّ مثْل هذه المواقف والتصوّرات استحالتْ، في مراحل معيّنةٍ مِنْ تاريخ الأدب العربيّ إلى قناعاتٍ أدبيّةٍ وفكريّةٍ، يتعذّر تغيّيرها أو تعديلها لما أصبح لها مِنْ مصداقيّةٍ يَشْهَدُ بها التّاريخُ والأدبُ نفسُه؛ عِلْماً بأنَّ التّاريخ إذا مَنَحَ السَّبْقَ لظاهرةٍ ما، فإنَّ ذلك لا يعني أنّه يسمو بها فنّيّاً أو يُؤْثِرُها جماليّاً.

          يُمْكِنُ القَوْلُ، إذن، أَنَّ التّنازع بيْن الشّعر والنّثر مرّ بمرحلتين هما: «المرحلةُ الأولى، اكتسبتْ طابعَ صراعٍ وُجُودِيٍّ بيْن الشّعرِ والنّثرِ، حيْث دارتْ أهمُّ المُناقشاتِ حَوْلَ الأسبقيّةِ في الوُجُودِ (الأَصْل،الفَرْع) أَوْ أَهَمِّيَّةِ المَصْدَرِ (العَقْل، القَلْب)». و«المرحلةُ الثانيّةُ، تميّزتْ ببروزِ الوَعْيِّ النَّقْدِيِّ للجَمْعِ بيْن الشِّعْرِ و النَّثْرِ، في ظلِّ مفْهومٍ جديدٍ هو ما اصْطُلِحَ عليْه لدى العسكريّ بالكتابةِ»؛ لهذا فإنَّ النّظر إلى الشّعر والنّثر باعتبارهما ثنائيّة يَحْكُمُها التّضاد أو التّنازع مسألةٌ ما تزال تُطْرَحُ بِشَكْلٍ مَغْلُوطٍ؛ إذْ مِنَ المعلوم أنَّ «قَضِيَّةَ الشِّعْرِ وَالنَّثْرِ طُرِحَتْ مِنْ زَوَايَا مُتَعَدَّدَةٍ؛ كَالنَّظَرِ لِلنَّثْرِ بِاعْتِبَارِهِ مُنَافِساً لِلشِّعْرِ».

          إنَّ الأجْناس والفنون الأدبيّة تنبثق في سياقٍ تاريخيٍّ محدّدٍ، مِنْ تراكم التّجارب الإنسانيّة والفنّيّة وتفاعل الأشخاص مع محيطهم لتستجيب لحاجاتٍ نفسيّةٍ واجتماعيّةٍ وفنّيّةٍ، ولهذا كانــــت «مصداقيّة النّوع تُسْتَمَدُّ مِنْ وظيفته، التّي تتجاوز في بعْض الأحيان حدود الأدبيّ إلى ما هو تاريخيّ أو اجتماعيّ». وبناءً على هذا، فإنَّ الحديث عن النّثر في الأدب العربيّ يستوجب الالتزام بمجموعةٍ مِنَ التحديدات؛ حتّى لا يظلّ حديثاً ملتبساً؛ عِلْماً بأنَّ هذه التحديدات تتعلّق بالأجْناس النّثريّة وما ارتبط بها مِنْ مفهومات، وما تمخّض عنها مِنْ أشكالٍ وخصائص فنّيّةٍ، ومضامين متنوّعةٍ، وما طرأ عليها مِنْ تغيّيرات فرضتها سياقات التّاريخ، أو ضرورات الفنّ، أو حاجات الإنسان، ولهذا فإنَّ النّظر إلى النّثر يتمثّل باعتباره إضافةً فنّيّةً نوعيّةً لمْ تتبلور لتنافس الشّعر، وإنّما لتغني الأدب العربيّ، ولتفتح آفاقاً أخرى للتّعبير، واتّخاذ المواقف، والنّظر إلى الأمور مِنْ زوايا أخرى.

          لكن رغم ما عرفه النّثر مِنْ تطوّر وتحوّل في مختلف أنواعه وموضوعاته، فإنّه ظلّ الجِنْس الأدبيّ الأقلّ حضوراً وتأثيراً في الإنسان والحياة العربيّين. ولقدْ عالج القدامى هذه الظّاهرة، وذهبوا في تفسيرها مذاهب، تحكّمت فيها الميول والأهواء والمصالح أو القناعات والحقائق؛ يقول أبو القاسم الإشبيلي (ت. 581ه): «وإنَّما خَصَّصْتُ المَنْثُورَ لِأَنَّهُ الأَصْلُ الذِّي أَمِنَ العُلَمَاءُ -لِامْتِزَاجِهِ بِطَبَائِعِهِم- ذَهَابَ اسْمِهِ فَأَغْفَلُوهُ؛ وَضَمِنَ الفُصَحَاءُ -لِغَلَبَتِهِ عَلَى أَذْهَانِهِم- بَقَاءَ رَسْمِهِ فَأَهْمَلُوهُ، وَلَمْ يَحْكُمُوا قَوَانِينَهُ، وَلَا حَصَرُوا أَفَانِينَهُ»؛ لهذا النصّ قيمتان: قيمة تاريخيّةٌ ـ فكريّةٌ، وأخرى علميّةٌ، فالأولى تعكس وعي القدامى المبكّر بإشكال النّثر في الأدب العربيّ، أما القيمة العلميّة أو النّقديّة فتتجلّى في سعيها إلى تـفسير ما لَحِقَهُ مِنْ إهمالٍ لأسبابٍ متعدّدةٍ.

       وعُمُوماً، يمكن أنْ نستنتج مِنَ النصّ السّابق ما يلي:

أ‌-                  أنَّ أبا القاسم الإشبيلي يجعل النّثر هو الأصل، لهذا كان الأحقّ بالاهتمام والدّراسة.

ب‌-             أنَّ العلماء أغفلوا النّثر لأنّهم اطمأنّوا إلى عدم انْدثاره لِكَوْنِه يُشَكِّلُ جزءً مِنْ طبائعهم؛ إذْ هو لسانهم وتُرْجُمَانُ أحوالِهم.

ت‌-            أمَّا الفصحاء فأهملوه لِكَوْنِهم ضَمِنُوا بقاءَه و دوامَه لارْتباطه وغَلَبَتِه على مَلَكَاتِهِم الذهنيّة.

ث‌-            مِنْ هنا كانت أسباب الإغفال والإهمال تَنْحَصِرُ في اقْتناع العلماء والفصحاء، واطْمئنانهم إلى قُدْرَةِ النّثر على البقاء والاسْتمرار.

ج‌-              بَيْدَ أنَّ موقف أولئك العلماء والفصحاء قدْ ترَّتبتْ عليه انْعكاسات ونتائج سلبيّة؛ إذْ ظلّ النّثر دون تَقْعِيدٍ، فلمْ تُضْبَطْ قوانينه، كما لمْ تُحْصَرْ فُنُونُه. يقول أبو القاسم الإشبيلي: "وَلَمْ يَحْكُمُوا قَوَانِينَهُ، وَلَا حَصَرُوا أَفَانِينَهُ".

          ولا يخفى ما يتضمّنه كلام أبي القاسم الإشبيلي مِنْ إشاراتٍ في غاية الأهمّية لِكَوْنِها تنْدرج ضمن الوظائف التصنيفيّة و التجنيسيّة، التّي يجب أنْ يَضْطَلِعَ بها مُبْدِعُو الأدب ومؤرّخوه ودارسوه، ولعلّ هذا ما حاول أنْ يقوم به أبو القاسم الإشبيلي مِنْ خلال تأليفه لكتاب (إحكام صنعة الكلام)؛ إذْ يشي عنوان الكتاب بذلك، ويَصْدُقُه مضمونه إلى حدٍّ كبيرٍ.

4 ــ موضوعات النّثر وخصائصه:

          يتردّد كثيراً أنَّ كُلَّ فنٍّ أدبيٍّ يختص بموضوعٍ أو غرضٍ معيّنٍ دون الموضوعات أو الأغراض الأخرى، وذلك اعتماداً على مجموعةٍ مِنَ المعطيات الشّكليّة والأسلوبيّة والدّلاليّة؛ عِلْماً بأنَّ مِثْلَ هذه المعطيات أصبحت مِنَ المعايِّير التّي يمكن توظيفها في تصنيف النّصوص الأدبيّة وتجنيسها. وهكذا، نجد في (مقدّمة ابن خلدون) التّنبيه التّالي: «وَاعْلَمْ أَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الفُنُونِ أَسَالِيبَ تَخْتَصُّ بِهِ عِـنْدَ أَهْلِهِ وَلَا تَصِحُّ لِلْفَنِّ الآَخَرِ، وَلَا تُسْتَعْمَلُ فِيهِ، مِثْلَ النَّسِيبِ المُخْتَصِّ باِلشِّعْرِ، وَالْحَمْدِ وَالدُّعَاءِ المُخْتَصِّ بِالْخُطَبِ، وَالدُّعَاءِ الْمُخْتَصِّ بِالْمُخَاطَبَاتِ وَأَمْثَالِ ذَلِكَ».

        مِنْ هذا النصّ يمكن أنْ نستخلص ما يلي:

أ‌-                 إنَّ الفنون التّي كانت سائدةً ومعترفاً بها لشُيُوعها وتداولها هي: الشّعر، والخُطَب، والمُخَاطبات (أيْ الرّسائل). وهذه الفنون في اصطلاح القدامى، هي التّي نُسَمِّيها حديثاً أجْناساً أدبيّةً.

ب‌-             يعترف ابن خلدون أنَّ لكلِّ فنٍّ أساليبُه الخاصّة به، والتّي لا تلاءم الفنون الأخرى. ومِنْ هذه الأساليب: النّسيب والحَمْد والدّعاء؛ التّي يمكن اعتبارها أغراضاً وعناصر بنائيّةً تتقوّم بها الفنون أو الأجْناس المذكورة في قولِه.

ت‌-            يؤكّد ابن خلدون أنَّ لكلِّ فنٍّ أهلٌّ هم أدرى به وأحفظُ له، شعراءٌ كانوا أو خُطَبَاءٌ أو متراسلون، يَعُونَ الفوارقَ الكائنة بيْن الفنون، ويحترمون قواعدَها وتقاليدَها.

ث‌-            إنَّ ما خَلُصَ إليه ابن خلدون -وغيْره مِنَ القدامى- اسْتنتاجات أفْضى إليها استقراؤهم لفنون الأدب السّائدة في عصورهم؛ إنّها بمثابة العناصر المهيمنة على تلك الفنون في مراحل معيّنة، والتّي كانت وستبقى قابلةً للتّغيّير، بالإضافة أو الحذف أو التّوسيع أو التّضيّيق، بِفِعْلِ المؤثّرات الكثيرة كالتّفاعل والتّلاقح والتّداخل التّي تكون فنون الأدب، عادةً، مسرحاً لها عبْر العصور، يقول ابن خلدون: «وَلَا غَرَابَةَ فِي ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ أَشَرْنَا إِلَى أَنَّ الفَوَارِقَ وَالحَوَاجِزَ بَيْنَ الفُنُونِ الأَدَبِيَّةِ لَيْسَتْ حَاسِمَةً قَاطِعَةً، فَهُنَاكَ تَدَاخُلٌ بِنِسَبٍ مُخْتَلِفَةٍ بَيْنَ الفُنُونِ الأَدَبِيَّةِ، أَوْ بَيْنَ بَعْضِهَا وَالبَعْضِ الآَخَرِ».

          أمَّا فيما يتعلّق بالخصائص، فتنبغي الإشارة إلى أنَّ النّثر العربيّ القديم يُشَكِّلُ فَنّاً أو جِنْساً أدبيّاً عامّاً تنْدرج تحته مجموعةٌ مِنَ الأنْواع والأصْناف الأدبيّة، أو ما يُسَمَّى بالأجْناس الفرعيّة كالمقامة والخُطْبَة والرّسالة والوصيّة والحِكْمَة والمَثَلْ والخَبَرْ. ورغم مابيْن هذه الأجْناس مِنْ اختلافات وتمايزات، فإنَّها تتقاسم مجموعةً مِنَ الخصائص التّي تتعلّق ببنائها وبمكوِّناتها اللّغويّة والشّكليّة والموضوعاتيّة، ولعلّ أبرز خاصّيّةٍ هَيْمَنَتْ على النّثر العربيّ القديم تتمثّل في ظاهرةٍ أسلوبيّةٍ هي المحسّنات البديعيّة. لكن يحقّ لنا أنْ نتساءل: هلْ مِنَ الإنْصاف أنْ نختزل تُرَاثاً نَثْرِيّاً ضَخْماً في ظاهرةِ المحسّناتِ؟ أَلَمْ تُسِئْ مِثْل هذه الاسْتنتاجات إلى عظمةِ هذا التّراثِ وغناه؟

       لهذا يصبح مِنَ اللّازم أنْ نوسّع مِنْ آفاق البحث في التّراث النّثريّ العربيّ للكشف عن خصائص وظواهر أخرى؛ ولنْ يتسنّى ذلك إلّا مِنْ خلال وضع ظاهرة المحسّنات في إطارها الصّحيح، ومَنْحِهَا حَجْمَهَا الحقيقيّ. وتنبغي الإشارة إلى أنَّ تضْخيم ظاهرة المحسّنات يرجع إلى أسبابٍ كثيرةٍ، منْها:

-       أنّها ظاهرةٌ لافتةٌ للنّظر، ومُهَيْمِنَةٌ على باقي الظّواهر.

-       أنَّ ضَبْطَها، بالتّالي، لا يحتاج إلى كبيرِ عَنَاءٍ.

-       أنَّ لها ما يبرّرها، سواء أ تعلّق الأمر بقواعد الكتابة، التّي تَمَّ التّوافق عليها قديماً، أمْ بالاسْتجابة لمتطلّبات العَصْر، أمْ بالنّزول عنْد رغبة بعْض الحُكَّامِ والزُّعَمَاءِ؛ هذا فَضْلاً عن الدّور المهمّ الذّي اضْطَلَعَ به السّجع فيما يخصّ الحفاظ على النّصوص النّثريّة؛ إذْ «يُشِيرُ الجاحظُ إلى أنَّ السّجع يُثَّبِتُ ويَحْفَظُ الخطابَ، الذّي، بتحرّرِه مِنَ الوزنِ والقافيّةِ، يكون النّسْيانُ إليْه أسرع». ولقدْ ترّتبتْ على هذه الظّاهرة نتائج سلبيّة؛ ذلك أنّه «مَا مِنْ شَكٍّ في أنَّ طُغْيَانَ المحسّناتِ اللّفظيّةِ على الأدبِ العربيِّ شِعْراً ونَثْراً قدْ كان مِنَ الأساليبِ الأساسيّةِ في تضيّيقِ نطاقِهِ».

       وفي هذا الإطار ينْبغي أنْ نوّضح ما يليّ:

أ‌-                  إنَّ الإشْكال المطروح لا ينْحصر في الاعْتراف بطُغْيَان المحسّنات على الأدب العربيّ، أو إنْكار ذلك، وإنَّما هو في مُعالجة الدّارسين لهذه الظّاهرة؛ ذلك أنَّ نَوْعَ هذه المُعالجةِ وحجمِها وأهدافِها هي العواملُ التّي تُسْهِمُ في إبْراز ظاهرة المحسّنات، وتضْخيمها على حساب ظواهر فنّيّةٍ وجماليّةٍ أخرى.

ب‌-             إنَّ المحسّنات ظاهرةٌ لغويّةٌ وأسلوبيّةٌ تُضْمِرُ ظواهر ودلالاتٍ نفسيّةٍ وسُلُوكيّةٍ واجتماعيّةٍ وحضاريّةٍ، تظلّ    -هي الأخرى- في حاجةٍ إلى دراسةٍ وتمْحيصٍ؛ وتنْدرج تلك المحسّنات، كما أشار إلى ذلك شوقي ضيف سابقاً، ضمْن ظاهرة التأنّق والتنميق.

ت‌-            إنَّ للمحسّنات وظائف عديدة، ومنْها الوظيفة التنميقيّة؛ غيْر أنَّ النّصوص المضمرة بهذه المحسّنات قادرةٌ على الاضْطلاع بوظائف أخرى. ومِنْ ذلك أنَّ النّصوص الموّشاة بالأسْجاع، على سبيل المثال، لمْ يكنْ الغرض منْها التزيّين فحسْب، وإنّما إْمتاع المتلقّي بتلك الموسيقى أو الإيقاعات المُتَوَلِّدَة عن الأسْجاع، ممّا يُعَدُّ حنيناً إلى أجْواء الشّعر وطُقُوسِه، وتعْبيراً عن مدى التعلّق به؛ لهذا «فإنَّ السّجع في الكلام كمِثْل القافيّة في الشّعر، وإنْ كانت القافيّة غيْر مُسْتَغْنَى عنْها والسّجع مُسْتَغْنَى عنْه؛ فأمَّا أنْ يَلْزَمَهُ الإنسانُ في جميع قولِه و[رسائلِه] وخُطَبِه ومُنَاقَلَاتِه، فذلك جَهْلٌ مِنْ فاعلِه، وعِيٌّ مِنْ قائلِه».

          يُمكن القَوْل، إذن، أنَّ النّاثر العربيّ القديم حاول أنْ يُوَّفِقَ بيْن الجانبيْن العقليّ والفنّيّ «وقدْ بيَّن [التوحيدي]     -خاصّةً- أهمّية كُلٍّ مِنْ عُنْصريّ العَقْل والموسيقى في النّثر الفنّيّ». ومِنْ ثمَّ أَوْلَى بعْض القدامى للنّزعة العقليّة في النّثر أهمّيّةً كبرى لِكَوْنِها مِنَ الخصائص التّي تميّزه عن الشّعر؛ ولهذا قيل: «النَّثْرُ مِنْ قِبَلِ العَقْلِ، وَالنَّظْمُ مِنْ قِبَلِ الحِسِّ»، وأضاف آخرون خصائص تُسْهِمُ، في نظرهم، في تشريف النّثر وتفضيله على الشّعر؛ حيْث قيل: «وَمِنْ شَرَفِ النَّثْرِ أَيْضاً أَنَّهُ مُبَرَّأٌ مِنَ التَكَلُّفِ، مُنَزَّهٌ عن الضَّرُورَةِ، غَنِيٌّ عن الاعْتِذَارِ وَالافْتِقَارِ، وَالتَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ وَالحَذْفِ وَالتَّكْرِيرِ...».

       مِنْ هنا كان النّثر في الأدب العربيّ القديم موسوماً بخصائص وعلاماتٍ، تتمثّل في:

أ‌-                 توشيّة النّصوص بالمحسّنات، ومنْها السّجع، لاسيما إذا كان النصّ مقامةً أو خُطْبَةً أو رسالةً.

ب‌-            تدعيمها بآياتٍ قرآنيّةٍ وأحاديث نبويّةٍ.

ت‌-            تضمينها مختاراتٍ مِنَ الأشْعارِ والأمْثالِ والحِكَمِ

ث‌-            انفتاحها على موضوعاتٍ وأغْراضٍ كانتْ حِكْراً على الشّعر: كالغزل والمديح والهجاء والفخر، وغيْر ذلك. كما أنَّ النّثر تميّز، مِنْ حيْث وظائفه، بسِمَتَيْنِ قدْ تبدوان غيْر منْسجمتين هما: الإقْناع والتّرميز.

          ولقدْ ذهب بعْض القدامى إلى أنَّ بلاغة النّثر تستوجب مجموعةً مِنَ الشّروط والمواصفات؛ يقول أبو حيان التوحيدي: «وَأَمَّا بَلَاغَةُ النَّثْرِ فَأَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ مُتَنَاوَلاً، وَالمَعْنَى مَشْهُوراً، وَالتَّهْذِيبُ مُسْتَعْمَلاً، وَالمُرَادُ سَلِيماً، وَالرَّوْنَقُ عَالِيًّا، وَالحَوَاشِي رَقِيقَةً، وَالصَّفَائِحُ مَصْقُولَةً، وَالْأَمْثِلَةُ خَفِيفَةَ الْمَأْخَذِ، وَالهَوَادِي مُتَّصِلَةً، وَالْأَعْجَازُ مُفَصَّلَةً».

          إنَّ النّثر العربيّ القديم، بهذه المعايّير والخصائص، يُشَيِّدُ كيانه الخاصّ، ويَبْنِي مِعْمَارَه المتميّز عن الفنون والأجْناس الأخرى، سواء تعلّق الأمْر بالشّكل أو المضمون. كما أنَّ تلك المعايّير والخصائص مِنْ شأنها أنْ تُصْبِحَ أدوات صالحةً لتصنيفِه وتجنيسِه.


مفْهوم النَّثْر في النّقد الأدبيّ العربيّ القديم

(عن حسن بنيخلف، إشكالات النّثر العربـيّ القديم وخصائصه، 09 يوليو 2012م، ديوان العرب (منبر حرّ للثّقافة والفكر والأدب)، تاريخ الزّيارة: 07/04/2020م، (www.diwanalarab.com

1 ــ مصطلحات النّثر ومفهومه وتطوّره:

          ممّا تنبغي الإشارة إليه أنَّ القدامى أطلقوا على النّثر مصطلحات كثيرة أبرزها: المنثور والكلام والكتابة. وهي مصطلحات قدْ تبْدو متبايّنة مِنْ حيْث دلالاتها. إنَّ المنثور يُبَايِن المنظوم ويُخالفه؛ لأن َّكلَّ واحدٍ منهما يشكِّل جِنْساً أو فنّاً مستقّلاً بذاته؛ يقول (ابن خلدون ت. 1406م _المقدّمة_): «وإنَّما المقصود منْه [أيْ مِنْ عِلْمِ الأَدَبِ] عنْد أهل اللِّسان ثَمَرَتَه وهي الإجادة في فنيّ المنظوم والمنثور على أساليب العرب ومناحيهم». إنَّ المنظوم والمنثور فنّان تسمو قيمتُهما، ويعلُو شأنهما حسْب ابن خلدون بشرط الإجادة. وهذه الإجادة هي ثمرة عِلْم سمّاه ابن خلدون بـ(علم الأدب)؛ وتبعا لذلك فالشّاعر والكاتب لا يُجيدان إلّا إذا كانا مُلِّمَيْن بذلك العلم.

          وفي كتاب (البرهان في وجوه البيان لابن وهب، _فقيه، وكاتب في الدّواوين العبّاسيّة_ ت. 335ه) نجد تفريعاً للمنثور الذّي يضمّ أربعة أنواع نثريّة، يقول: «فأمَّا المنثور فليْس يخلُو مِنْ أَنْ يكون خطابة، أو ترسُّلاً، أو احتجاجاً، أو حديثاً، ولكلِّ واحدٍ مِنْ هذه الوجوهِ موضعٌ يُسْتَعْمَلُ فيه»؛ إنَّ المنثور يتّخذ، إذنْ، أربعة أوجهٍ أو أشكالٍ يتحكّم في استعمالها عاملان هما: المواضع والمقامات؛ عِلْماً بأنَّ هناك تفاوتاً واضحاً بيْن هذه الأشكال الأربعة مِنْ حيْث الانتشار والتداول؛ إذْ لمْ يشتهر منْها إلا الخطابة والرّسالة. كما أنَّ ابن وهب يُقارن بيْن المنثور والمنظوم، فيقول: «اعلمْ أنَّ سائرَ العبارةِ في لسانِ العربِ إمَّا أَنْ يكون منظوماً أو منثوراً، والمنظومُ هو الشِّعْرُ، والمنثورُ هو الكلامُ»؛ ومعنى هذا أنَّ العبارة عنْد العرب إذا نُظِمَتْ كانت شعراً، وإذا نُثِرَتْ سُمِّيَتْ كلاماً. بَيْدَ أنَّ الكلام، في الحقيقة، تتَّسع دلالته لتشمل عنْد بعْض القدامى الشّعر والنّثر معاً.

          ومِنَ المعلوم أنَّ كثيراً مِنَ القدامى أَوْلوا الكلامَ عناية خاصّة، تعريفاً وتقيّيماً؛ يقول (أبو هلال العسكري ت. 395ه): «الكلامُ أيَّدكَ اللهُ، يَحْسُنُ بسلاستِه، وسهولتِه، ونصاعتِه، وتَخَيُّرِ لَفْظِهِ، وإصابةِ معناه، وجودةِ مطالعِه، ولِينِ مقاطعِه، واستواءِ تقاسيمِه، وتعادلِ أطرافِه...». إنَّ الكلام، بهذا المفهوم، يمكن أنْ ينطبق على الشّعر، كما يمكن أن ينْطبق على النّثر؛ غيْر أنَّ جودتَه لا تكتمل إلّا إذا جُمِعَ بيْن جمال اللّفظ والمعنى والأسلوب والإيقاع والبناء. وفي موضعٍ آخر، يَعتبر أبو هلال الكلامَ جِنْساً عامّاً تنْدرج تحته مجموعة مِنَ الأجناس الفرعيّة؛ يقول في هذا الإطار: «أجناسُ الكلامِ المنظومِ (ثلاثةٌ): الرّسائلُ، والخَطَبُ، والشِّعْرُ. وجميعُها تحتاجُ إلى حُسْنِ التّأليفِ وجودةِ التّركيبِ»؛ والملاحظ أنَّ كلمة (المنظوم)، الواردة في هذه المقولة، تُثِيرُ بعْض الارتباك والغموض إذا ما تمَّ قَصْرُ دلالتِها على الشّعر وحده؛ غيْر أنّ المقصود بخلاف ذلك؛ إذْ تدلّ على التّأليف والتّركيب الجيّدين بيْن أجزاء القول، سواء أ تعلّق الأمر بالنّثر أمْ بالشّعر.

          وممَّن يؤكّد أنَّ الكلامَ يشمل فنيّ الشّعر والنّثر ابن خلدون الذّي يقول: «اعلمْ أنَّ لسانَ العربِ وكلامَهم على فنّيين: في الشّعرِ المنظومِ وهو الكلامُ الموزونُ المقّفى... وفي النّثرِ وهو الكلامُ غيْر الموزونِ وكلُّ واحدٍ مِنَ الفنّين يشتملُ على فنونٍ ومذاهبَ في الكلامِ». إنَّ ابن خلدون، في هذا النصّ، يقوم بعمليّة تصنيفيّة لكلام العرب مستنداً إلى معيارٍ واحدٍ هو الوزن، مع وعيِّهِ بأنَّ كلّ جِنْسٍ أدبيٍّ، شِعْراً كان أو نَثْراً، يضمّ أجْناساً فرعيّةً أو أنواعاً واتجاهاتٍ؛ غيْر أنّه في تصنيفه لمْ يسلمْ مِنْ تأثير المعايّير الشّعريّة.

          أمَّا الكتابة، فتتميّز عن الكلام؛ إذ ْغالباً ما تُشير إلى النّثر، وخاصّة ما تعلّق منْه بكتابة الرّسائل، وهذا ما يدلّ عليه السّياق في أقوال بعْض القدامى، يقول أبو هلال العسكري: «فأوَّلُ ما ينبغي أَنْ تَسْتَعْمِلَهُ في كِتَابَتِكَ... مُكَاتَبَةَ كُلَّ فَرِيقٍ منْهم على مِقْدَارِ طَبَقَتِهم وَقُوَّتِهم في المَنْطِقِ»؛ فالكاتب مطالب، في رسائله، بمراعاة الأحوال الاجتماعيّة والقُدُرات العقليّة. و المقصود بـ(الطّبقة) أصناف النّاس وفئاتهم الاجتماعيّة؛ كالملوك والوزراء، والعلماء، والكُتَّاب والخُطَباء، والأدباء والشّعراء، وأوساط النّاس وسُوقَتِهم.

2 ــ النّثر وإشْكال الأجْناس الأدبيّة:

          سبقتْ الإشارة إلى أنَّ أجناس الكلام، حسْب أبي هلال العسكري، ثلاثة هي: الرّسائل والخُطَب والشّعر،  والحقيقة أنَّ الرّسائل والخُطَب جِنْسَان أدبيّان ينْدرجان ضمْن فنٍّ أو جِنْسٍ عامٍّ هو النّثر؛ والظّاهر أنَّ تصنيف النّثر إلى خُطَبٍ ورسائل ناتجٌ عن اعتمادِ معيارٍ واحدٍ هو الشّكْل. والحقيقة غيْر ذلك؛ لأنَّ أنْواعاً نثريّةً أخرى يتمّ إغفالها فلا تُذْكَرُ، ومنْها المقامة التّي تختلف شكْلاً ومضْموناً عن الخُطَبِ والرّسائلِ. ومعنى ذلك أنَّ عمليات التّصنيف والتّجنيس التّي يخضع لها النّثر تتحكّم فيها معايّير أخرى غيْر الشّكل والوزن بصفةٍ عامّةٍ.

       إنَّ تحديد النّثر في الخُطَب والرّسائل، راجعٌ إلى ثلاثة عوامل هي:

1-               عاملٌّ إداريٌّ وسياسيٌّ؛ إذْ اتّخذت السّلطة السّياسيّة مِنَ الخُطَب و الرّسائل وسيلةً لتمرير خطاباتها، ولتدبير شؤون العباد والبلاد.

2-               عاملٌ ذو طابعٍ تداوليٍّ، ويتمثّل في شُيُوع وانتشار هذين الجِنْسَيْنِ مِنْ أجناس النّثر وهيمنتِهما على باقي الأجناس.

3-              عاملٌ يرجع إلى الجوانب الوظيفيّة في الخُطَب والرّسائل؛ إذْ تتميّزان بفعاليّتهما في تبليغ الخطابات، وكفاءتهما وقُدْرتهما على تحقيق الأهداف المتوّخاة منهما.

          لكن، وكيفما كان الحال، فإن جميع العوامل المذكورة سابقاً، وإنْ فَسَّرَتْ جانباً مِنْ هذه الظّاهرة، فإنّها لا تبّرر إغفال الدّارسين ــقديماً وحديثاًــ للأجناس النّثريّة الأخرى، كالمقامة والوصّيّة والحكمة والمَثَل والخَبَر. والظّاهر أنَّ الإغفال لمْ يقتصرْ على مرحلة ما قبْل التّدوين، بلْ استمرّ ــبأشكالٍ مختلفةٍــ في مرحلة التّدوين وما بعْدها. وكيفما كان الحال، فمِنَ اللّازم الإشارة إلى أنَّ الشّعـر بسُلْطَتِه وبأشكالِ تلقّيه، كان مِنَ الأسباب التّي نَفَّرَتْ مِنَ الأنواع النّثريّة الأخرى، أو ساهمتْ في تهميشها لـ«أسباب أدبيّة تتلّخص في "سُلْطَةِ الشِّعْرِ"...»، ويُمْكِنُ أنْ نُضِيف إلى ذلك كلِّه سبباً آخر ذا بُعْدٍ منهجيٍّ يتمثّل في «عدم النّظر إلى النّثر العربيّ القديمّ نظرةً شموليّةً باعتباره نظاماً مِنَ الأجْنَاسِ المتداخلةِ».

          وعُمُوماً يُمْكِنُ القَوْل أنَّ النّثر فنٌّ أدبيٌّ، يتفاعل بطريقة أو بأخرى، مع عوامل الزّمان ومعطيات الواقع، لهذا يظلّ دائماً قابِلاً للتطوّر والتغيّر؛ فعلى سبيل المثال «كانَ العصرُ العباسيُّ الأوّلُ عَصْراً خطيراً حقّاً في تطوّرِ النَّثْرِ؛ إذْ تحوّلتْ إليه الثّقافات اليونانيّة والفارسيّة والهنديّة، وكلُّ معارفِ الشّعوبِ التّي أَظَلَّتْهَا الدّولةُ العباسيّةُ». ولقد سمح هذا العامل بظهور أنماطٍ أخرى مِنَ النّثر؛ يقول شوقي ضيف (مِنْ كتاب العَصْر العبّاسيّ الأوّل): «وكان ذلك إِيذَاناً بتعدُّدِ شُعَبِ النَّثْرِ العربيِّ وفُرُوعِه، فقدْ أصْبح فيه النَّثْرُ العِلْمِيُّ والنَّثْرُ الفلسفيُّ، وأصبْح فيه أيْضاً النَّثْرُ التَّاريخيُّ، على شاكلةِ ما كان عنْد الأُمَمِ القديمةِ، وحتَّى النَّثْرُ الأدبيُّ الخالصُ أخذَ يَتَأَثَّرُ بِمَلَكَاتِ اللُّغَاتِ الأجنبيّةِ وخاصّةً اللُّغَةُ الفارسيّةُ »؛ وبهذا تحرّر النّثر العربيّ، مِنْ خلال تَفَاعُلَاتِه الحضاريّة، مِنْ بعْض القُيُود الأدبيّة، وانْعطف نحْو ألوانٍ مِنَ الفِكْرِ والعِلْمِ والثّقافةِ بصفتِه الِجنْس الأدبي الأَقْدَر على استيعاب تلك المعارف والتّعبير عنْها.

          إِنَّ هذا النُمُوّ والازدهار يُمَثِّلُ نقطة تحوّلٍ رئيسةٍ في تاريخ النّثر العربيّ لمْ تتيّسرْ له مِنْ قبْل، وذلك لكونه انْفتح على مجالاتٍ أخرى أسْهمتْ في إثرائه وطبْعه بسماتٍ جديدةٍ. ومَرَّدُ ذلك أنَّ المضامين والقضايا الجديدة فرضتْ اعتماد أساليب وأشكالٍ تعبيريّةٍ مبتكرةٍ تنزاح عمّا كان سائداً في مجال النّثر الأدبيّ.

 

 

 

 

 


                                                  قضيّة التّأويل في النّقد الأدبيّ القديم

مفهوم التّأويل: هو تحديد المعاني اللّغويّة في العمل الأدبيّ مِنْ خلال التّحليل، وإعادة صياغة المفردات والتّراكيب؛ ومِنْ خلال التّعليق على النصّ، وهذا يركّز على مقطوعات غامضة أو مجازيّة يتعذّر فَهْمُهَا؛ أيْ: توضيح مرامي العمل الفنّي ككلّ.[1]

          أدرك النّقد العربيّ منْذ وقتٍ مبكِّرٍ _ومِنْ قبْل أنْ يصبح ذلك قضيّة يتناقلها اليوم نقّاد الحداثة وما بعد الحداثة– أنَّ النصّ الأدبيّ غنيّ بالدّلالات، وأنّه مِنْ أجل ذلك قدْ يحتمل وجوهاً متعدّدة مِنَ التّأويل، وقدْ يتّسع فيه مجال التّفسير والقراءة، وإبداء الرّأي.

       جاء في كتاب الوساطة بيْن المتنبّي وخصومه في (نقد علي بن عبد العزيز القاضي الجرجاني، ت. 392ه) لبيْت أبي الطيّب المتنبي (ت. 354ه):

مَا بِقَوْمِي شَرُفْتُ بَلْ شَرُفُوا بِي ******* وَبِنَفْسِي  فَخَرْتُ لَا بِجُدُودِي

       فختم القول بأنّه لا شرف له بآبائه، وهذا هجاء صريح. وهناك مَنْ أعذاراً له فيَزْعَمُ أنّه أراد: مَا شَرُفْتُ فقط بآبائي؛ أيْ لي مفاخر غيْر الأبوّة، وفِيّا مناقب سوى الحَسَب. وباب التّأويل واسع، والمقاصد مُغَيَّبَةٌ. وإنّما يُسْتَشهد بالظّاهر، ويُتَّبع موقع اللّفظ.

          وأورد ابنُ رشيق القيرواني (ت. 456ه) بيتَ امرئ القيس في وصفِ فرسِه:

مكرٍّ مفرٍّ مقبلٍ، مدبر معاً ******* كجُلمود صخرٍ حطَّه السّيلُ من عَلِ

***اكتشف العلماء أنَّ الحصان فعلاً يكّر ويفّر في الوقت نفسه، وكان ذلك مِنْ خلال مراقبتهم لجريّ الحصان؛ إذْ لاحظوا أنّه أثناء جريّ الحصان تكون رجلاه الخلفيّتان تتقدّم في اللّحظة نفسها التّي تتأخّر فيها رجلاه الأماميّتان، وعندما تبدأ رجلاه الأماميّتان في التقدّم تتحوّل حركة رجليه الخلفيّتين إلى التأخّر؛ وهكذا يُقْبِلُ الحصان ويُدْبِرُ، ويَكِّرُ ويَفِّرُ في الوقت نفسه. أمَّا عن قوله (كـجلمود صخر)؛ فالجلمود هو أحد أنواع الصّخور ويُسَمُّونَه الصّخر الأصّم؛ والمقصد هنا أنَّ الفرس عندما يكّر ويفّر ويُقْبِلُ ويُدْبِرُ يكون كـالكتلة الواحدة وتكون حركتُه في اتّجاهٍ واحدٍ***

   تحت ما سمّاه (باب الاتّساع) فذكر أكثر مِنْ تفسير له، ثمّ عقّب على ذلك هذا التّعقيب الذكيّ، فقال: (يقول الشّاعر بيْتاً يتّسع فيه التّأويل، فيأتي كلُّ واحدٍ بمعنى، وإنَّما يقع ذلك لاحتمال اللّفظ، وقوّته، واتّساع المعنى).

          وزاد عبد القادر البغدادي (ت. 1093ه؛  أديب ولغويّ ونحويّ محقّق _وُلِدَ ببغداد وتوفيّ في مصر، ويمثّل البغدادي تيّاراً مِنَ التيّارات النّثريّة في العصر العثمانيّ) في خزانة الأدب على ما أَثْبَتَهُ ابن رشيق مِنْ توجيهات لبيْت امرئ القيس، ثمَّ علَّق على ذلك قائلاً: (هذا ولمْ تخطر هذه المعاني بخاطر الشّاعر في وقت العمل. وإنّما الكلام إذا كان قوّيّاً مِنْ مثْل هذا الفَحْل احْتَمَلَ لقوّته وجوهاً مِنَ التّأويل بحسْب ما تَحْتَمِلُ ألفاظُه، وعلى مقدار قوى المتكلّمين فيه).

التّأويل وقصْد المتكلِّم:

          يحترم النّقدُ العربيّ النصّ ودلالاته اللّغويّة، وذلك مُقَدَّمٌ عنْده على ما يُسمّى بـ(مقصديّة المؤلِّف)، وفي هذا الصّدد ردّ الآمدي ت. 631ه –صاحب كتاب الموازنة بيْن الطّائيّين: أبي تمام والبحتريّ– على تهمة وجّهها إليه أنصار أبي تمام، بأنّه لمْ يفهم ما قصدَه شاعرُهم مِنْ كلامِه _بهذه العبارة النّقديّة المهمّة، التّي تضع قاعدة موضوعيّة دقيقة للتّأويل_:

   قال الآمدي): ليْس العملُ على نيّةِ المتكلِّمِ، وإنّما العملُ على ما تُوجِبُه معاني ألفاظِه.

 

  وهي عبارة تُسْتَنْبَطُ منْها –على إيجازها– مجموعةٌ مِنَ الأحكام التّي تتعلّق بتأويل الكلام أو تفسيره، منْها:


1- أنّ النصَّ وحدَه هو المُخَوَّلُ بإعطاء الدّلالة، وفرز المعنى المُرَاد، ومنْه وحدَه تُسْتَنْبَطُ الأحكامُ، وتُسْتَخْرَجُ المفاهيمُ، وبذلك يحتفظُ النصُّ –بما تَمُدُّهُ معاني ألفاظِه– بِهَيْبَتِه ومكانتِه وسلطانِه، ولا يَعْتَدِي عليه مُعْتَدٍ.

2- أنّ فكرة (المعنى في بطن القائل) –كما يقول بعضهم– غيْر صحيحة؛ لأنَّ النّاقد لا يُعَوِّلُ على نيَّات المتكلِّم، وهو غيْر قادر على ذلك أصلاً: لا شرْعاً ولا عقْلاً؛ فالنّيّات لا يعلمها إلا علاَّم السَّرائر، والنّاقد ليْس عرَّافاً ولا قارئ فنجان، وإنّما هو مُتَلَقٍّ يقوم بنشاط عقليّ منطقيّ تُمْلِيه لغة النصّ الذّي أمامه، وطبيعة ألفاظه وعباراته. وهذا عندئذٍ يُلْغِي فكرة (مقصديّة المتكلِّم) ويُحِيلُ على مقصديّة النصّ، ويُعْطِيه السّلطان على نحو ما فعلت البنيويّة بعْد ذلك بقرون.

3- أنّ سلطان القارئ، أو سلطان المتلقّي –خلافاً لما يقوله التفكيكيّون وأصحاب نظريّة التلقّي– مُنْضَبِطٌ بالنصّ المقروء، مَحْكُومٌ بدلالة ألفاظه، ومعاني عباراته، وليْس سلطاناً مطْلقاً، يجعل هذا القارئَ يُؤَوِّلُ النصّ كما يشاء، أو يقرؤه على هواه، حتّى لِيُقَوِّلَه ما لمْ يَقُلْ، أو يُنْطِقَه بما لمْ ينطقْ.

4-  عبارة الآمدي النّقديّة البليغة لا تُنْكِرُ ما يمكن أنْ يحمله النصّ مِنْ دلالات متعدِّدة، أو توجيهات مختلفة، ولكنّها _مرّة أخرى_ تجعل ذلك نابعاً مِنَ النصّ ذاته بما فيه مِنْ إمكانات، وبما يُفْرِزُه مِنَ المعاني والأفكار، وليْس بما يُحْمَلُ عليه حَمْلاً، أو يُكْرَهُ عليه إِكْرَاهاً، استجابةً لسلطانٍ زُعِمَ أنَّ القارئَ وحدَه هو الذّي يَمْتَلِكُه. إنَّ الصّيْد في جوْف النصّ، والقارئ هو مَنْ يَسْتَخْرِجُه، ولنْ يستطيع أنْ يَسْتَخْرِجَه –دائماً– أيُّ قارئٍ، بلْ القارئُ الدَّرِبُ المُتَمَرِّسُ، وبذلك نحترم طرفيْن مِنْ أطراف معادلة العمليّة الأدبيّة، هما النصّ والقارئ، ولا نستهين بأحدهما أو نُسْقِطَه انحيازاً للطّرف الآخر.

5- إنّ الاحتكام إلى النصّ لا يعني تجريده – كما يفعل البنيويّون– مِنْ كلِّ خارجٍ: كالمجتمع، أو التّاريخ، أو السّيرة، أو ما شاكل ذلك؛ لأنَّ هذا الخارج قدْ يكون في أحيان غيْر قليلة جزءاً مِنَ الدّاخل، وقدْ تكون (معاني ألفاظِه) التيّ يُحِيلُ عليها الآمدي محكومةً بهذا الخارج، بلْ آخذةً أبعادَها الحقيقيّة مِنْ خلاله، فقدْ يكون –وما أكثر الأمثلة على ذلك– هذا الخارجُ هو الذّي شكَّلها على هذا النّحو أو ذاك، فأصبح جزءاً مِنْ دلالتها.

          وهاهو الآمدي نفسُه الذّي يُحِيلُ على سلطان النصّ، وما تُوجِبُه معاني ألفاظِه يُحِيلُ في شعر أبي تمام نفسِه إلى هذا الخارج، ويُوضِحُ أنّ التقاط معاني الألفاظ قدْ لا يتّضح إلّا بمعرفة هذا الخارج.[2]

      



[1]. محمّد يوب، نظريّة التلقي والتّأويل في النّقد الأدبيّ عنْد العرب، القدس العربيّ، 20 ديسمبر 2015، تاريخ الزّيارة: 06 أبريل 2020، www.alquds.co.uk

[2]. المقال عن وليد قصاب، مِنْ قواعد التّأويل في النّقد العربيّ، شبكة الألوكة، 27/01/2007م_08/01/1428هـ، تاريخ الزّيارة: 06 أبريل 2020م، www.alukah.net



لتحميل محاضرات المقياس يرجى من طلبة الماستر تخصص ادب جزائري الضغط على ايقونة قسم الادب العربي ثم الضغط على المقرر او المقياس لتظهر لهم المحاضرات في شكل pdf

ويقوم الطالب بتحميلها بسهولة.

ولمن وجد صعوبة في تحميلها او استحال عليه ذلك يرجى الاتصال ببريد استاذ المقياس الاتي:

dawajiaek@gmail.com

بالتوفيق

مدخل إلى الأدب الكولونيالي في الجزائر (بداياته ،خصائصه ،منطلقاته الفكرية ومميزاته الفنية)

يمكن القول إن الأدب الكولونيالي بدأ منذ سنوات الاحتلال الأولى للجزائر على يد بعض الضباط وصف الضباط و الجنود ممن كانوا يتمتعون بمواهب أدبية، و نجد أن أقدم عمل في هذا الميدان يعود إلى سنة 1847 حسب ما يذكر " شارل طايار" في كتابه البيبليوغرافي المسمى " الجزائر في الأدب الفرنسي"[1] و هو عبارة عن ديوان شعر بعنوان les étrennes du prince، و هو بقلم صف ضابط يدعى:(أ.أكاري) A.Accary، كما نجد أقدم نص روائي يعود إلى سنة 1856بعنوان " جروة أو ابنة الصحراء" بقلم المدعو سيمون آش simon Ach .[2]

و تشكل النصوص الأدبية التي كتبها و نشرها الكتاب الرحالون رافدا مهما في هذا الأدب، و لعلها تشكل أهم النصوص في هذا الأدب لأنها كتبت بقلم كتاب كبار معروفين، يأتي في مقدمتهم تيوفييل كوتيي الذي كان من أوائل الكتاب الكبار الذين زاروا الجزائر و كتبوا من وحيها العديد من النصوص، وذلك سنة 1845, يأتي بعده " أوجين فرومونتان" سنة 1847و 1853، و ألفونس دوديه سنة 1862، وغي دي موباسان سنة 1880و1884 و أندري جيد في وقت متأخر. و تشكل أعمالهم التي كتبوها عن الجزائر اليوم شهادات حية ذات قيمة أدبية عالية. و قد عرفت أعمالهم باسم "أدب الاغتراب" أو La  littérature exotique .

ظل هذاا النوع من الأدب الاغترابي هو السائد إلى بدايات القرن العشرين حيث بدأت تبرز ملامح أدب استيطاني بقلم كتاب ولدوا في الجزائر و نشؤوا في ظل المجتمع الكولونيالي، و أسهموا في وضع أسس الأيديولوجيا الاستعمارية، و يأتي على رأسهم " لوي برتران" louiss bertrand، الذي سيكون أحد كبار منظري الأيديولوجيا الاستعمارية، بمعية روبير راندوrobert randot. و قد بدؤوا حركتهم برفض الأدب الاغترابي، و أطلقوا عليه اسم" أدب البطاقات البريدية" la littérature des cartes postales. و قالوا عنه إنه لا يعبر عن الجزائر، و لا عن المجتمع الكولونيالي الجديد، و بدأوا بوصف أنفسهم بالكتاب الجزائريين، و كتبوا أدبا أرادوه أن يكون من " داخل الجزائر"، يتمتع باستقلاليته، في مقابل الأدب الذي كتبه " عن الجزائر" كتاب من الخارج"[3]. و قد أكد" ميزات" – و هو أحد أبرز وجوه ذلك الأدب الاستيطاني المستقل-[4]هذه الصفة حتى بالنسبة لبطل قصصه الشهير " كاغايو" حين يسأل " أأنتم فرنسيون؟" فيجيب" لا، نحن جزائريون"[5]

و قد نتج عن التصريحات و المناقشات و الجدال الذي دار منذ بداية القرن و إلى بداية العشرينيات، بين المستوطنين من جهة، و بينهم و بين منابر أدبية في " المتربول "، حول وجود" أدب استيطاني" في الجزائر، ألى بعث ما يشبه" مدرسة أدبية" اتخذت من مجلة " فرنسا الكبرى" و الحياة"، و "ميركور دو فرانس"، و " مجلة العالمين"، و إلى حد ما"جريدة " الوقت" ( لوتان)، منبرا لنشر أفكارها، و هي الأفكار التي تبلورت شيئا فشيئا، لتعرف فيما بعد بحركة " الجزأرة": (algérianismeL ).[6]

و في هذا السياق أصدر المسوطنون سنة1906" مختارات من الشعر الجزائري"[7] لم يكن من بين شعرائها في الواقع اسما واحدا جزائريا فعلا، أي من أبناء البلد الأصليين، و تكرر نشر مثل هذه المختارات الشعرية سنة 1920، و القصصية سنة 1925[8]، و في هذه المرة الأخيرة ، و تحت تأثير التغيير الذي جاءت به قوانين 4 فبراير 1919، خرج ناشروا " المختارات" عن التقليد المعمول به من قبل، ليضموا على احتشام اسما واحدا من " الأهالي" هو اسم عبد القادر حاج حمو[9]، و لكن دون أن يتخلوا عن طروحاتهم الاستعمارية المعتادة، حيث نجد لويس برتران- الأب الروحي للكتاب المستوطنين- يعلن بكل سرور في المقدمة أنه (( تحقق في هذه " المختارات" ما كان يأمله منذ خمسة و عشرين عاما، و هو ميلاد إفريقيا اللاتينية)).[10]

و تكريسا لهذا الاتجاه الاستيطاني في الأدب، أنشأ الكتاب المستوطنون هياكل تنظيمية تسنده، و تقاليد تعطيه شخصيته المتميزة، و استقلاليته عن " المتروبول" فأسسوا في سنة 1921 جمعية أدبية أطلقوا عليها اسم " جمعية الكتاب الجزائريين"، و مجلة تنطق باسم الجمعية سموها " إفريقيا" [11]

هوامش المحاضرة :

1- Charles tailliart «l’algérie dans la littérature française »librairie ancienne edouard champion. paris 1295, p 11.                 

2- Ibid , p 28 .                                                              

3- Jean déjeux « la littérature algérienne contemporaine », p p 11-12 .                                                                  

4- هو" أوغيست روبيني: Auguste robinet" المشهور ب " ميزات: musette"، من مواليد الجزائر (1862-1930)، نشر على مدى عشرين سنة سلسلة من قصص " المغامرات"، تصور مشاهد و مواقف" فكاهية" من حياة بطله" كاغايو"، الذي يقدمه الكاتب كنموذج يعكس عقلية مجتمع المستوطنين الجدد، و يتصف بالقوة الجسدية، و حب النساء، و هو (( مشاكس و عنصري و ديماغوجي)) راجع:- jean déjeux «  la littérature algérienne contemporaine », p 23 .   

5- Fadhila yahiaoui «  roman et société coloniale, dans l’Algérie de l’entre deux – guerres… »ed .ENAL-Gam, Alger-bruxelles. 1985. P 17.                                                               

6- Fadhila yahiaoui «  roman et société coloniale, dans l’Algérie de l’entre deux – guerres… »p 61-62.                            

7- Jean déjeux « la littérature algérienne contemporaine » p 26.

8- Ibid . p 27-28.                                                         

9- صاحب رواية " زهراء امرأة المنجمي" التي أصدرها سنة 1925، و تعد أول رواية يكتبها جزائري باللغة الفرنسية.

10-       Jean déjeux « la littérature algérienne contemporaine »p 29

11-       و أنشأوا بعدها عدة مجلات أخرى، منها مجلة" الجزائر: Algéria " و المجلة اللاتينية"، " و مجلة افريقيا الشمالية". راجع:

Fadhila yahiaoui : roman et societé coloniale ; p 24.                     



 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


المكونات السردية في بنية الرواية:

1-الشخصية و إشكال الإحالة الضميرية. أصنافها و علاقاتها السردية:

تقديم:

ما إن تذكر الرواية حتى تذكر الشخوص، إذ لا رواية بلا أشخاص فهم ركيزة الروائي الأساسية في الكشف عن القوى التي تحرك الواقع من حولنا، و عن ديناميكية الحياة و واقعيتها و تفاعلاتها، فالشخصية هي أولا و أخيرا من المقومات الرئيسية للرواية و الخطاب السردي بصفة عامة.

غير أن الشخصية مهما كانت لها القدرة على الإيحاء تبقى عاجزة على المستوى السردي عن تقديم نفسها إلا إذا أحاطها الروائي بشبكة من العلاقات التي تربطها بعناصر السرد الأخرى، ( السارد، الفضاء" الزمان و المكان"، الأحداث، الوصف)و الشخوص هم الأفراد الخياليون الذين تدور حولهم الرواية أو المسرحية أو القصة، و بسبب الدور التي تتطلع به الشخصيات في السرد الروائي جرى الاعتراف بالروائي على أساس مقدرته على رسم الشخوص، فالروائي الجيد هو الذي يستطيع أن يبتكر و يبدع في رواياته شخصيات جيدة، و دليل ذلك أن بلزاك لم يشتهر إلا بشهرة الأب أوريو مثلما اشتهر غيره من الروائيين و قصاصين أمثال: فراتسر كافكا، انطوان شيكوف، كيجي دوموباسن، محمود تيمور، نجيب محفوظ.

 من المعروف أن الرواية منذ بدايتها في قرنين 18 و 19 عشر اهتمت اهتماما كبيرا بالشخصية، ولا سيما عنايتها بملامحها الخارجية و تصوير مظهرها بدقة فضلا عن منزلتها الاجتماعية و علاقتها بالآخرين، بحيث قربتها من الإنسان في عالم الحياة( في الواقع المعاش).

كما اهتمت بفرادة الشخصية إلى حد الوصول بها إلى النمطية و العمومية التي تجعل منها نموذجا شبه كوني، و لعل من أبرز الذين منحوا الشخصية الروائية أو القصصية هذه الكفاءة الفنية فرانس كافكا، غوغول، انطوان تشيكون، بلزاك، دويستفسكي.  

مفهوم الشخصية:    

يمثل مفهوم الشخصية عنصرا محوريا في كل سرد،( طريقة الكاتب في عرض عناصر الرواية) بحيث لا يمكن تصور رواية بدون شخصيات، و من ثم كان التشخيص هو محور التجربة الروائية، و تتخذ الشخصية في النظريات السيكولوجية جوهرا سيكولوجيا و تصير فردا أي ببساطة كائن إنساني.

و في المنظور الاجتماعي تتحول الشخصية إلى نمط اجتماعي يعبر عن واقع طبقي و يعكس وعيا إيديولوجيا ، و بخلاف ذلك لا يعامل التحليل البنيوي الشخصية باعتبارها جوهرا سيكولوجيا و لا نمطا اجتماعيا، و إنما باعتبارها علامة يتشكل مدلولها وحدة الأفعال التي تنجزها في سياق السرد .


دروس في مقياس القصيدة العربية

تخصص نقد ودراسات أدبية

المستوى : السنة الثالثة ل م د

إعداد الأستاذ/ عراب أحمد

الموسم الجامعي 2019-2020

وحدة التعليم الأساسية الأولى: نظرية الشعر و نقده.

محتوى المادة:

1-القصيدة العربية/ تحديد المصطلح و المفهوم.

2-البدايات الأولى لقصيد القصيدة / دراسة تاريخية فنية.

3-البناء الهيكلي للقصيدة العربية.

4-لغة القصيدة.

5-موسيقى القصيدة.

المحاضرة الأولى:

القصيدة العربية/ تحديد المصطلح و المفهوم.

مفهوم القصيدة و بناؤها:

تقديم :

يرجح أن بعض المفاهيم الأدبية التي درج البحث في ماهيتها لغة واصطلاحا قد جرى الفصل فيها وبشكل نهائي ، بحيث لم تعد تطرح على مستوى الدرس النقدي سؤالها المقلق نظرا لاستيفاء تلك المفاهيم و المطالب حظها من النقاش والإجابة من لدن رواد النقد الأدبي في القرنين ... وأُلف فيها المتون والمصنفات إلى حدّ الإتخام وقد ارتبطت ارتباطا وثيقا بقضايا الشعر أساسا واستمرت تلك المساجلات بين النقاد عبر الأقطار العربية تسترفد مقولاتها من محصلات شعراء العصور الأولى للشعرية العربية تحديدا وفي أغراض شعرية معينة.

       ومهما يكن ، فإن معالم هذا النقد المتشرب الاتجاهات والمتعدد الأوجه قد تشكّلته ظروف مرحلة جديدة من تاريخ نقدنا العربي الحديث والمعاصر أخذت على عاتقها مهمة السير به أشواطا برؤى تتجاذبها الذاتية والانطباعية والأحكام القيمية غير المؤسسة أبدى من خلالها الناقد العربي إخلاصا للممارسة النقدية وانفتاحا جريئا على ما أتاحته له ثقافته الأجنبية من إطلاع واسع على أدب الشعوب الأخرى ونقدها انطلاقا من ترجمتهم لكتاب فن الشعر لأرسطو ووعيهم بنظرياته النقدية التي حاولوا تمثلها في مقولاتهم ،وقد أمكنهم ذلك من تقليص الفارق الزمني في تمثلهم لتلك النظريات والتكيف مع منطلقاتها الفلسفية ورؤاها الأدبية.

من أولوية القضايا التي انبرى لها النقد العربي محققا في سؤال ماهيتها – حدّ القصيدة – باعتبارها صورة لما كان عليه الإبداع الشعري العربي قديما – أي في المراحل الأولى من تشكّل معالم الشعرية العربية التقليدية حتى العصر العباسي- ، وفي هذا المجال كان النقد العربي في متابعاته لتك الأعمال الشعرية سخيا في ردوده وإجاباته إلى حدّ الإقناع بأن الشعر قول موزون مقفى دال على معنى "[] فقد قطعت مقولة قدامة بن جعفر قول كل ناقد .

وبحسب النقد في تلك المراحل المزهرة من تاريخه تجاوزه تلك المسائل التي عدّت في عصرها من المسلمات التي لا ينبغي الالتفات إليها ما دام النقد قد فصل فيها وشفّعها بنصوص كرست قدسية النظرة إلى القصيدة العمودية باعتبارها النمذجة المقترحة في الاستشهاد والاستدلال والبرهنة لكمال وتمام بنيتها الشكلية والموضوعية، ليعاد إحياؤها ومن ثم طرحها من جديد في نقدنا الحديث والمعاصر في ضوء مناهج البحث النقدية السياقية والنسقية لتظهر في صورة صراع متجدد أخذ أبعادا حساسة مع دخول النقد الاستشراقي طرفا في هذا السجال واندحار بعض المسلمات في نقدنا العربي، بداية مع طرح مفهوم القصيدة كما يتراءى في إفهام المستشرقين ومن جهة نظر تغلب النظرة العلمية قبل كل شيء.

ألقى مفهوم القصيدة من جديد بثقله على البحث النقدي العربي و الاستشراقي مرددا صدى تلك المقولات المستجدّة على الساحة النقدية معتدّة بمناهج ونظريات خلخلت تلك المسلمات وقلبت الكفة إلى صالحها في محاولة منها مماحصة المفهوم وفق نظرتها ومنهجها طالما أن المفهوم لم يراوح الوضع القديم الذي انبثق منه "فإذا كان الإطار الجديد يعني استبدال الحاضر بالماضي ، والغرب المتقدم بالمشرق المتأخر ، فإنه كان يعني بداية أول قطيعة حادة مع التراث بوجه عام، ومن ثمة بداية تعويل الناقد العربي(الحديث) على أصول نقدية ليست من صنعه، ولا من تراثه".[]

تنطلق هذه الدراسة من فرضية استعادة حلقة الوصل مع جملة الأسئلة التي توالت وتراكمت حول الموضوع وكسر الحاجز النفسي الذي ترسب حول الذات العربية في بحثها عن تفسيرات لأصل التسمية لاعتبارات أقامتها قراءاتنا للتراث النقدي المبنية على أساس نظرة تقديس وإعلاء لكل ما هو أصلي و قديم في تراثنا الشعري وبين المفهوم نظرا لكثرة ما التبس به  من ناحية القراءة التوصيفية لمفهوم القصيدة العربية الجاهلية على وجه الخصوص ، وما أثارته استنتاجات البحث البنيوي من ناحية من إشكالات تعمقت معها الهوة بين اجتهادات منظري النقد العربي القديم وبين قناعات النقد الحديث والمعاصر في هذا المجال .

والحق إن أية محاولة في هذا الجانب لفهم ملابسات وضع المصطلح خارج مادة تكونه اللغوية أو العودة به إلى أصول وضعه الأولى في التراث النقدي العربي تعدّ تجاوزا منهجيا مخلا بالإطار المفاهيمي وخروجا مستنكرا عن أدبيات البحث العلمي ، وعلى هذا الأساس كان الخوض في تحديدات المفهوم اللغوي لمادة (ق ص د) في المعجمات العربية التراثية و الحداثية ضرورة لازمة وأولوية مقدمة في رصد و متابعة حيثيات هذه المسألة من منطلق أن النقد الأدبي القديم لم يقدم تصورا واضحا حيال مفهوم المصطلحات التي كان النقاد القدماء يستخدمونها للتعبير عن أفكارهم حول الشعر.[]

ومن غير الابتعاد عن محور البحث في الأصل المعجمي للمفهوم اللغوي لمادة ق ص د، والذي يبدو أنه لم يكن ليترسخ في المدونة النقدية على نطاق حقل تداوله المعرفي ما دام المصطلح داخلا في مفهوم أشمل، يقابله مفهوم  الشعر بدليل أن المحاولات في هذا الصدد تخضع أية دراسة إلى مفهوم الشعر لا القصيدة ، الأمر الذي يتعين على الباحث الفصل بين المفهومين القصيدة باعتبارها وحدة فنية مستقلة بذاتها عن تلك المقولات التي تقيد الشعر في خصائص لغوية وإيقاعية " و سيظل هذا الاختلاف بين الشعراء في معنى الشعر من حيث لفظه و أغراضه قائما ما قام هؤلاء الشعراء أنفسهم، و ما كانت لهم حياة خاصة غير خاضعة خضوعا تاما للتقليد" .[]

إن البحث عن إيجاد روابط تقيم  العلاقة بين أصل التسمية من جهة ، وحتمية الظروف الاجتماعية التي أوجدتها من جهة ثانية، فإن الصلة بين الأمرين تتأسس على مبدأ الحاجة أم الاختراع، وإن كان هذا الإبداع موقوفا على ما يمنحه الوسط الاجتماعي للمبدع من محفزات وما يحيطه به من عناية وتقدير يدفعه إلى إيلاء العمل الإبداعي اهتماما زائدا يدنيه مكانة  من ممدوحه، ويرفعه منزلة ، وذلك نزولا عند الطلب وما يتحقق على المستوى المادي للشاعر باعتبار "أن الطبيعة الصحراوية ،والطابع القبلي للعلاقات الاجتماعية، والتناحر المستمر على الكلأ والماء، يشكلون جميعا مبدأ الضرورة الذي حدد المحاور التي تتأسس عليها مضامين القصيدة".[]

 

 

 

أ/المفهوم اللغوي للقصيدة:

     يرى بعض اللغويين و أصحاب المعاجم أن الأصل اللغوي لكلمة قصيدة يرجع إلى: القصد، و القصد من الشعر ما تم شطر أبياته، يقول ابن جني" سمي قصيدا لأنه قصد و اعتمد، و الجمع قصائد، و قيل سمي قصيدا لأن قائله احتفل له، فنقحه باللفظ الجيد و المعنى المختار المنتقى، و أصله من القصيد و هو المخ السمين الذي يتقصّد أي يتكسر لسمنه، و ضده الرير أو الرار و هو المخ السائل الذائب.

   و العرب تستعير السمنة في الكلام الفصيح فيقال هذا كلام سمين أي جيد، و قالوا شعر قصّد أي نقح و جوّد و هذب، و قيل سمي لشعر التام قصيدا لأن قائله جعله من باله فقصّد له قصدا و لم يحتسيه حسيا على ما خطر بباله و جرى على لسانه.

   أكد ابن رشيق ما ذهب إليه اللغويين في تعريف القصيدة فقال" إن اشتقاق القصيد من قصّدت الشيء كأن الشاعر قصد إلى عملها على تلك الهيئة ".

     و حسب هذه التعريفات اللغوية فإن جميع الأنماط الشعرية تدخل في دائرة القصيدة، ما دامت القصيدة متوافرة على التأليف و العمل، و لعل قصور*هذه التعريفات اللغوية في تحديد المفهوم يعود إلى تركيزها المباشر على الأصل اللغوي للكلمة دون الاهتمام بدلالاتها الفنية و الجمالية.

      يفسر لندنبارغ ما ذكره اللغويون في أصل هذه الكلمة في قوله" لأن معناها الشعر الغرض و القصد"، انطلاقا من هذا التعريف يزعم لندنبارغ أن كل مساومة و تجارة بالشعر القديم و الحديث و كل جشع لا يعرف الشبع في الفطرة العربية وجد التعبير عنه في لفظ قصيدة.

       و قد تهدى "بلوكلمان" لهذا التقسيم غير العلمي بقوله" إن الغرض و القصد لم يكن في الزمن القديم أصلا و لم يكن في الزمن المتأخر دائما هو كبس الجزاء المادي"

 و ذهب جورج جاكوب إلى تفسير كلمة قصيدة إلى شعر النسول و رد عليه بلوكلمان و رأى أنه لم يصب في تفسير مفهوم القصيدة.

       و يبدو أن لندنبارغ و جاكوب قد استغلا بعض المفاهيم اللغوية لمصطلح القصيدة و اعتمادها أساسا في التحامل و الطعن على الشعر العربي عامة (الخلفية الإيديولوجية) و اتهام الشعراء بالجشع بخاصة، و تعد تعريفاتهما الخاطئة نتيجة منطقية لإساءتها فهم مصطلح قصيدة في الشعر العربي.

يرى بعض الباحثين أن النقد العربي القديم ليس فيه الكثير الذي يمكن أن يسهم في المحاولات الحديثة في تحليل القصيدة من خلال:

1- إشارات بسيطة تدور إما حول شاعر جاهلي مشهور(امرؤ القيس) و إما أن تشير إلى مطلق القصيدة القديمة و حالة مقارنة القصيدة المحدثة في عصرهم الإسلامي.

2- إن المشكلة في هذه القضية تكمن في مدى وضوح مفهوم المصطلحات التي كان النقاد القدامى يستخدمونها للتعبير عن أفكارهم حول الشعر يقابله ( عدم الاستقرار على مصطلح قار في العصر الحديث)

3- جل اهتمام النقاد كان موجه إلى قصيدة المديح في الشعر القديم على وجه العموم، و إن كانت لا تمثل نسبة كبيرة في الشعر الجاهلي مقارنة بقصيدة الطلل.

إضافة إلى أن: عملية التدوين كانت متأخرة و خالية من المنهجية و هي الإشكالية التي وقع فيها الدرس النقدي الإستشراقي.

-       اهتمام النقد العربي القديم بالشاعر أكثر من القصيدة. يمكن العودة إلى كتاب حسن البنا عز الدين الكلمات و الأشياء بحث في التقاليد الفنية للقصيدة الجاهلية.

عرض حسن البنا عز الدين محاولات القدماء و المحدثين في وصف القصيدة الجاهلية، فرأى أن " صورة القصيدة الجاهلية في نقد القدماء كانت غامضة" ص44، و أن المحاولات النقدية الحديثة شغلت بمسألتين: قضية الوحدة، و الوصف الأسطوري للقصيدة الجاهلية.

    ففي قضية الوحدة لاحظ المحدثون افتقادها في القصيدة الجاهلية، ففسر بعضهم ذلك بأنه نابع من مجرد شعورهم بالارتباط الباطن بين أجزاء القصيدة، و رأى غيرهم غير ذلك،ـ و هي مسألة تحتمل النقاش، أما قضية الوصف الأسطوري للقصيدة الجاهلية فقد عاد فيها الباحث إلى جهود المستشرقين و الباحثين، فعرض كيف ربط ياروسلاف استيتكيفيتش بين القصيدة الجاهلية ببعدها الشعائري و مرحلة الانتقال التاريخية التي كان يمر بها المجتمع العربي آنذاك،ـ كما عرض تصور سوزان استيتكيفيتش لعلاقة القصيدة الجاهلية بالشعائر، و الذي يعتمد على طقس الصور بمراحله الثلاث، حيث طبقت سوزان هذا التصور في دراستين عن لبيب و امرئ القيس. 

مفهوم القصيدة في التراث النقدي العربي:

    ذاع مفهوم القصيدة في حقل الإبداع الشعري عبر كل العصور قديمها و حديثها، غير أن المدلول التاريخي يشدها من حيث دلالاتها إلى الشكل الأصولي للشعرية العربية و التي تنتظم وفق خصائص جمالية و فنية هي الوزن و القافية و اللفظ و المعنى و هي المعايير التي اعتمدها النقاد القدامى في تحديدهم للمفهوم الأدبي الاصطلاحي للقصيدة كمرجع أصلي، و أضافوا إلى ذلك مقياس آخر هو قوة التأثير في نفسية المتلقي و قد وافق هذا المعيار قول ابن طباطبا العلوي في معرض حديثه عن تأثير قوة القصيدة" ... و كان كالخمر في لطف دبيبه و إلهائه و هزه و إثارته "

  وعلى هذا النحو تعددت تعاريف الشعر عند النقاد لنصب في منحى واحد قوامه الجودة    وغايته إمتاع المتلقي و إفادته.

و إن كانت المعايير الأولى(الوزن، القافية، اللفظ و المعنى) ترسم الملامح العامة للقصيدة، فإنها من الناحية الفنية تقصر بالشاعر إلى إدراك المفهوم الأدبي للمصطلح، و لذلك وجدنا ابن رشيق يربط بين الإبداع و الشعر فيقول" إنما سمي الشاعر لأنه يشعر بما يحس به غيره" .

القصيدة و ثنائية الطول و القصر:    

احتكم النقاد القدماء و المحدثين إلى معيار الكم للتفريق بين القصيدة و المقطوعة، فالجاري في حكمهم و عرفهم أن ما زاد على عدد معين من الأبيات فهو قصيدة، و ما قل عن هذا العدد فهو مقطعة و الحاصل من كل ذلك أن الاختلاف حول تثبيت عدد موحد يشكل إجماعا نقديا فتح باب نقاش واسع بين من يحكم معيار القصر و بين من يحكم معيار الطول، و على هذا الأساس تباينت آراء النقاد.

 

الناقد

عدد الأبيات

مقطعة

قصيدة

الأخفش

ابن جني

الفراء

ابن رشيق

ابن رشيق

03

 3أو 10 أو 15

20

7

10 أو 11

 

 

 

 

 

 

فالأخفش يرى أن ما كان من ثلاثة أبيات هو قصيدة، و يؤكد هذا في قوله" و مما لا يكاد يوجد في الشعر البيتان الموطئان، ليس بينهما بين (...) و ليست القصيدة إلا ثلاثة أبيات"

و إذا كان الأخفش من أنصار القصر، فإن ابن جني على خلاف ذلك إذ يقول" و في هذا القول من الأخفش جواز، و ذلك لتسميته ما كان على ثلاثة أبيات قصيدة" و أضاف" و الذي في العادة أن يسمى ما كان على ثلاثة أبيات أو عشرة أو خمسة عشر قطعة، فأما ما زاد على ذلك فإنما يسميه العرب قصيدة".

  و يذهب الفراء أبعد من ذلك، إذ يتصور أن القصيدة ما بلغت العشرين بيت فأكثر

في حين يقدم ابن رشيق قراءة للمسألة مستفيدا من هؤلاء النقاد الذين سبقوه في تحديد أبيات القصيدة، حيث يقول" [ و قيل إذا بلغت الأبيات سبعة فهي قصيدة و لهذا كان الإيطاء( عيب من عيوب الشعر)، و بعد سبعة غير معيب عند أحد من الناس(...) و من الناس من لا يعد القصيدة إلا ما بلغ العشرة و جاوز و لو بيتا واحدا(...) و يستحسن هنا أن تكون القصيدة وترا، و أن يتجاوز بها العقد( العشرين) أو توقف دونه]، كل ذلك ليدلوا على قلة الكلفة و إلقاء البال بالشعر" و الحق أن أية قراءة في جدول الأرقام هذا لا تجيز لنا ترجيح خيار على آخر، ذلك أن قضية الإطالة و القصر خاضعة عند الشعراء القدامى إلى التجربة الشعرية و إلى الموضوع الذي يطرقه الشاعر و بالظروف النفسية المحيطة  بالمتلقي للقصيدة.

و في هذا السياق سأل " أبو عمر بن العلاء" هل كانت العرب تطيل؟ فقال نعم ليسمع منها، قيل هل كانت توجز؟ قال: نعم ليحفظ .

  و تستحب الإطالة عند الأعذار و الأنذار و الترهيب و الترغيب و الإصلاح بين القبائل و التماس الأعذار: كأنك شمس و الملوك كواكب إذا بدوت لم تبدو منهن كوكب النابغة ( زهير بن أبي سلمى، الحارث بن حلزة)

  لا يمكن أن تقاس القصيدة بالعدد لكن عندما نصل إلى أعداد و نماذج كثيرة لا يمكن أن تحتكم لعدد مادام الشعر إحساسا فقد يكون غزيرا أو قليلا فالشعرية لا تحتكم بالعدد.

  أحيانا كثيرا يراعي الشاعر أثناء نظمه لقصيدة المتلقي، و الموضوع نفسه، فيقصر و يطيل حسب هذه العناصر.

   نظر النقاد إلى الطول و القصر مراعاة لنفسية و ظروف المتلقي( و غالبا يكون الحاكم، الخليفة) كالنابغة في وصفه للمندر:  ما بال عينيك منهما الماء ينسكب.

لأن الصفة ليست عامة أنما خاصة تنطبق على عبد الملك بن مروان.

المحاضرة الثانية:

  البدايات الأولى للقصيدة العربية( دراسات تاريخية فنية):

  يرى أحمد حسن الزيات في كتابه " تاريخ الأدب العربي" أن أولوية الشعر العربي مجهولة، فلم يقع هذا الشعر في سماع التاريخ إلا و هو محكم و مقصّد، و ليس مما يصوغ و يبرز في العقل أن الشعر بدأ ظهوره على هذه الصورة الناصعة الرائعة في شعر المهلهل ابن ربيعة و امرئ القيس، ذلك أن أي بداية تكون كمحاولات أولية تحتاج في كل مرة إلى التعديل و الإضافة لتظهر في صورة نهائية تتخذ كنماذج يسير عليها اللاحقون، و عليه فالشعر كذلك فقد اختلفت عليه العصور و تقلبت به الحوادث و عملت فيه الألسنة حتى تهذب أسلوبه و تشعبت مناحيه و مما يدل على أن هذا الشعر قديم العهد قول امرؤ القيس:

عوجا على الطلل القديم لعلنا      نبك الديار كما بكى بن جذام

و قول عنترة:

هل غادر الشعراء من متردم      أم هل عرفت الدار بعد توهم

و قول زهير:

ما نرانا نقول إلا معارا            أو معادا من القول مكرورا

 و قد ورد في كتاب إعجاز القرآن للباقلاني أن العرب بدؤوا بالنثر و توصلوا منه إلى الشعر و كان عثورهم عليه بالأصل بالاتفاق غير مقصود إليه فلما استحسنوه و استطابوه و رأوا الأسماع تألفه و النفوس تقبله تتبعوه و تعلموه و تكلفوا به.

  يؤكد ابن رشيق في كتابه العمدة ما ذهب إليه الباقلاني في معرض حديثه عن أولية الشعر العربي القديم إذ يقول:" كان الكلام كله منثورا فاحتاجت العرب إلى الغناء لمكارم أخلاقها، و طيب أعراقها، و ذكر أيامها الصالحة، و أوطانها النازحة، و فراسها الأمجاد، و سماحتها الأجواد لتهز أنفسها إلى الكرم(...) فتوهموا أعاريض جعلوها موازين الكلام، فلما تعر لهم وزنه سموه شعرا" . العمدة ص 20.

 و المضنون أن العرب خطوا من المرسل( النثر) إلى السجع و من السجع إلى الرجز، ثم تدرجوا من الرجز إلى القصيد، فالسجع هو الطور الأول من أطوار الشعر توخاه الكهان مناجاة للآلهة و تقييد للحكمة و تغمية للجواب، و فتنة للسامع و كهان العرب ككهان الإغريق هم الشعراء الأولون، زعموا أنهم مهبط الإلهام و أنجياء الآلهة فكانوا يسترحمونها بالأناشيد و يستلهمونها بالأدعية و يخبرون الناس بأسرار الغيب في جمل مقفاة و موقعة، و أطلقوا عليها اسم السجع، تشبيها بسجع الحمامة لما فيها من تلك النغمة الواحدة البسيطة، ثم تعددت الأوزان بتعدد الألحان فكان للحماسة وزن و كان للمدح وزن و للغزل وزن و هلم جرا.

الأصول الأولى للشعر العربي القديم:

 ظل الشعر العربي القديم طيلة أربعة عشر قرن (14قرن) أسير صيغة تقليدية ثابتة تحقق لها شكلها و بنائها و مقوماتها الفنية و الموضوعية في العصر الجاهلي قبل ظهور الإسلام بوقت غير قصير و هي صيغة قد غلب عليها عنصر بعينه يسري في أغراضها و أوزانها و لغتها، و معانيها و صورها الشعرية، و المقصود بهذا عنصر الوحدة ( وحدة البيت إلى الوزن إلى الغرض و القافية إلى اللغة، الصور أحيانا تتغير بشكل عجيب).

و تتمثل هذه الوحدة في وحدة الشطر و البيت و الوزن و القافية في القصيدة الواحدة.

أثبت صاحب جمهرة أشعار العرب أحاديث في الجن و أخبارهم و قولهم الشعر على ألسن العرب- أبو زيد القريشي ج. أ. ع في الجاهلية و الإسلام ص 42. 

في حين يقول ابن قتيبة:" لم يكن لأوائل الشعراء إلا الأبيات القليلة يقولها الرجل عند حدوث الحاجة" الشعر و الشعراء ابن قتيبة ص 51.

   و في التزام الشعراء العرب من العصر الجاهلي بالنظم في هذه الصيغة الثابتة على نحو أبانت عن ظهور أخرى أصبحت لإطرادها و غلبتها على الشعر العربي في عصوره و قصائده المختلفة من عيوبه الفنية المزمنة، و هي عيوب تتمثل من حيث الشكل في تكراره لأغراض، و معاني، و أوزان، و موسيقى و ما تؤديه رتابة.

  كما تتمثل من حيث المضمون في إثار الصفات العامة على ما عاداها من الخصائص الفردية، ذلك أن شعراء العرب كانوا يحرصون فيما يعرضون له من موضوعات على تجريد الأشخاص الذين يمدحونهم أو يهجونهم أو يتقربون منهم من صفاتهم الفردية بأن يصبوا فضائلهم و مساوئهم في قوالب نمطية يخفونها تحت أقنعة من المعاني المطلقة، الأمر الذي جعل من القصيدة في صيغتها التقليدية ثابتة عاجزة عن مواكبة التطور الذي أخذ يجد       -يستجد- عن الحياة العربية عبر عصورها المختلفة.* 

 و الأكيد أن القصيدة الجاهلية و هي الصيغة الفنية المثلى التي صيغ فيها أقدم ما وصل إلينا من الشعر الجاهلي، هي تنتسب من الناحية التاريخية إلى فترة قريبة من ظهور الإسلام، و أنها مرت بمراحل طويلة من التطور قد انتهت إلى هذه الصيغة المكتملة و هي مراحل لا يعرف عنها شيء لضياع أصولها و هذه القصيدة تتألف من عنصرين:

1-   عنصر شكلي أو موضوعي: و نقصد به احتوائها على عدد من الأغراض التي تتكرر من قصيدة إلى أخرى و هي في أغلب الأحوال متمثلة في الوقوف على الأطلال و الغزل و الضغائن و الرحلة و ما يتصل بها من وصف للناقة التي تحمل الشاعر و تشبهها في قصص الصيد المعروفة بالضبي و الحمار الوحشي في أغلب الأحيان، و أخيرا ما يختم به القصيدة من مديح أو هجاء أو فخر أو رثاء أو غير ذلك من الأغراض التي نظم الشاعر القصيدة فيها.

2-  عنصر فني: يختص بأسلوب الشاعر و طريقته الفنية في استغلال الامكانيات الموضوعية ( الرحلة، الصيد)، و اللغوية و التصويرية و الموسيقية في تشكيل البناء الفني لقصيدته.  


المحاضرة الثالثة :

بناء القصيدة العربية و تطورها:

البناء الهيكلي للقصيدة العربية:

قسم حازم القرطجني أنماط الشعر العربي و أشكاله إلى قسمين:

1-   قصائد و مقطعات: و ميز بين القصيدة المركبة من القصيدة البسيطة المستقلة الموضوع فقال" و القصائد منها بسيطة الأغراض و منها مركبة، و البسيطة مثل القصائد التي تكون مدحا صرفا أو رثاء صرفا، و المركبة هي التي تشتمل الكلام فيها على غرضين مثل أن تكون مشتملة على نسيب و مديح، و هذا أشد موافقة للنفوس الصحيحة الأذواق لما ذكرناه من ولع النفوس بافتنان في أنحاء الكلام و أنواع القصائد".

و في السياق نفسه حاول ابن قتيبة تحديد بناء القصيدة المركبة حسب التقاليد الفنية الموروثة زاعما أن شيوخ الأدب هم اللذين سنوا نهج القصيدة العربية المركبة من خلال ما تيسر لهم الإطلاع عليه من الشعر الجاهلي، فقال" و سمعت بعض أهل الأدب يذكر أن من مقصد القصيد إنما ابتدأ فيها بذكر الديار و الدمن و الآثار فبكى و شكا و خاطب الربع و استوقف الرفيق، ليجعل ذلك سببا لذكر أهلها الطاعنين عنها،...ثم وصل ذلك بالنسيب فشكا شدة الوجد، و ألم الفراق و فرط الصبابة و الشوق ليميل نحوه القلوب و يصرف إليه الوجوه و ليستدعي به إصفاء الأسماع، لأن النسيب قريب من النفوس لائط(ملتصق)  بالقلوب إنما جعل الله في تركيب العباد من محبة الغزل و ألف النساء فليس يكاد أحد يخلو من أن يكون متعلقا منه بسبب ضارب فيه بسهم حلال أو حرام، فإذا علم أنه قد استوثق من الإصغاء إليه و الاستماع له، عقب بإيجاب الحقوق فرحل في شعره و شكل النهب ( التعب) و سهر الليل و شرى الليل، و حر الهجير و إضناء الراحلة و البعير، فإذا علم أنه أوجب على صاحبه حق الرجاء و ذمامة التأميل و قرر عنده ما ناله من المكاره في المسير، بدأ في المديح، فبعثه عن المكافئة و هزه للسماح و فضله على الأشياء.

فالشاعر المجيد من سلك هذه الأساليب و عدل بين هذه الأقسام فلم يجعل واحد منها أغلب على الشعر و لم يطل فيمل السامعين و لم يقطع و بالنفوس ظمئ للمزيد. ابن قتيبة الشعر و الشعراء من ص 74-75-76. 

شرح: يرى د/ عز الدين إسماعيل في مقال له بعنوان النسيب في مقدمة القصيدة الجاهلية في ضوء التفسير النفسي أن العنوان يوحي بالفصل بين الأطلال و النسيب فيقول أن النسيب هو ذكر الهوى و الغزل و إبلاغ في وصف المرأة.

كما هو الحال عند ابن قتيبة، غير أن إسماعيل يشير إلى أن مصطلح النسيب يشمل الأطلال و ذكر المرأة معا من حيث أن الشاعر الجاهلي قد جمع بين هاذين الشعورين: الشعور بالبهجة المرتبطة بالغزل و الشعور بالحزن المرتبط بالأطلال.

 و على هذا الأساس يمكن أن تصبح القصيدة المركبة تامة البناء مكتملة الجوانب في نظر ابن قتيبة و من نقل عنه من أهل الأدب أو شيوخ الأدب، و قد نظروا إلى القصيدة في علاقاتها بالمتلقي( الممدوح) أكثر مما نظروا إليها من ناحية علاقتها بالشاعر و هم ينطلقون من تفسير نهج القصيدة من اعتبارات اجتماعية يؤكدها ابن رشيق و كثيرون سواه حينما يحتج بحسن الافتتاح في المديح لأنه داعية الانشراح و مطية النجاح و لطافة الخروج سبب ارتياح الممدوح. فالشعر قفل أوله مفتاح و ينبغي على الشاعر أن يجوّد.

 و يلاحظ أن ابن قتيبة حاول أن يرسم صورة تقريبية مما كان رائجا في تناولهم قصيدة المدح التي كانت تميزها ثلاث مراحل أساسية و هي:

1-   المقدمة: على اختلاف أغراضها و قد تكون نسيبا و قد تكون حديثا آخر مثل: الطيف أو الطلل أو الشيب و الشباب أو سوى ذلك.

   إن المقدمة التي تنفرد بذكر أحوال الطبيعة ( السماء) و صرف النبات و الحيوان، و أشكال الطيور يلاحظ فيها: أن الشاعر يتتبع الأطلال برثاء من كان يسكنها، أو رثاء شخص بعينه أو حتى رثاء نفسه( لا يجوز النسيب هنا).

   إن وصف المقدمة لغويا ينقسم إلى قسمين بحسب نظر " حسن البنا عز الدين"

مقدمة أ: توصف المقدمة فيه من خلال الطلل و يختفي النسيب( يعول على الطلل و يخفي النسيب) ممكن أن تكون في غرض الرثاء.

 مقدمة ب: توصف فيها المقدمة من خلال دراسة علاقة الأطلال بهذه التقاليد مثل: الضغن، الطيف، الرحلة. 

2-    الرحلة: و يتم خلالها وصف الراحلة و عناء السفر في البيداء و يتحدث الشاعر خلال ذلك عن حيوان الصحراء الوحشي، و الصراع من أجل الحياة ثم يتحدث عن معاناة هذه الوحوش في ظل واقع قامع و طبيعة شرسة مدمرة، و من خلال هذا التصوير لمظاهر الطبيعة الخارجية بعكس شيء من ذاته بل يجسد حالته النفسية من هذا الصراع.

3-    المدح: حيث لا يقف حد المدح عند الثناء وحده بل يتجاوزه إلى حديث يضع الممدوح ليطلع على خلفية الشاعر و غايته مثل تلميحه في حديثه عن الفقر و الخوف من المصير و تصوير النفس و محاورة الزوج و وصف حال الأولاد و المبالغة في إطراد الممدوح و وصف سلوكه و واقعه الاجتماعي و الطبقي و قد اشترط النقاد في المتكلم شاعر أو كاتب أن يراعي ثلاث مواضع في كلامه حتى يكون أعذب لفظا و أحسن سبكا و أوضح معنى: أولها الابتداء و ثانيها التخلص و ثالثها الابتداء.

فالأول أي الابتداء يسمى براعة الاستهلال أو حسن الابتداء و أحسنه ما يناسب المقصود

و الثاني التخلص و يسمى الخروج و هو عندهم شبيه بالاستطراد لأن الخروج كأنما تخرج من نسيب إلى مدح أو غيره بلطف حتى لا يشعر السامع بانتقال من المعنى الأول إلى المعنى الثاني.

و الثالث الانتهاء و سمي المقطع و هو قاعدة كل كلام و خاتمته و آخر ما يبقى في الأسماع و سبيله أن يكون محكما لا تمكن الزيادة عليه، و لا يأتي بعده أحسن منه و إذا كان أول الكلام مفتاح له، وجب أن يكون الأخير قفل عليه

·         عادة ما يصبح الطلل مُلهِما و الشاعر مُلهَما ( علاقة تأثير و تأثر) ملهما و خلاق قادر على استنطاق الشاعر. 

يرى " بروكلمان " أن هذه المقاييس التي حددها النقاد لنهج القصيدة المركبة، كانت انطلاقا من النصوص التي ورثوها عن العصر الجاهلي، و ألزموا الشعراء المتأخرين اتباعها فكان ذلك مدعاة إلى تكرار بعض أوصاف حيوان الوحش و أوصاف العير، و ما يلاقيه الشاعر من عناء رحلته، و بكثرة هذا التكرار صارت هذه التشبيهات و الأوصاف نفسها من لوازم الأسلوب الشعري الفني، فيما بعد و ربما كان كل ذلك مساعدا للمتأخرين على انتحال أشعار القدماء، و إذا كان بعض الشعراء الأمويين قد حرصوا على هذه التقاليد الفنية و لم يحيدوا عنها بل أصلوا بنائها و أقروا أساسياتها و أضافوا عليها بعض من إبداعاتهم في تنويع المقدمات أو الرحلة، فإن شعراء العصر العباسي الأول تخلصوا من الالتزام بنمط القصيدة القديمة خاصة المقدمة و الرحلة لأن الغاية الأساسية من هذا التقليد لم تعد ذات قيمة ما دامت أغلب القيم الاجتماعية في تغير مستمر، و كان ذلك أثره على تطوير نظرة الإنسان للحياة و الوجود و الفن و الشعر. 


قدامة بن جعفر: نقد الشعر، تح كمال موافي،مكتبة الخانجي للنشر والطبع والتوزيع، القاهرة، ط3، 1978ص17. []

 جابر عصفور:قراءة التراث النقدي ،مؤسسة عيبال للدراسات والنشر،ط1، 1991قبرص ص25.[]

ينظر حسن البنا عز الدين: الكلمات والأشياء( بحث في التقاليد الفنية للقصيدة الجاهلية) دارالفكر العربي، مصر، دط، دت، ص  56. []

[]  طه حسين، في الأدب الجاهلي: دار المعارف ط 19، القاهرة 2011.

عبد العزيز موافي:قصيدة النثر( من التأسيس إلى المرجعية) الهيئة المصرية العامة للكتاب، دط، 2006.ص 40. []

*  مثلا نظروا إلى القصيدة الجاهلية مقارنة بالقصيدة الحالية في العصر العباسي- القصيدة كانت شفهية- كل ناقد له اتجاهه و منهبه لا يجد الناقد ركيزة قوية يستند عليها.

*  ينتزع من الممدوح صفاته الشخصية و يأتي بصفات عامة تنعكس على عدة أناس.


     

          يتقلَّد الشِّعر مكانة مهمّة لدى العرب القدامى؛ إذْ يُعَدُّ ديوانهم؛ الذِّي يروي أخبارهم، يخلِّد انتصاراتهم وبطولاتهم، يدافع عن مبادئهم وأفكارهم، يحافظ على أنسابهم، يعمل الشِّعر العربيّ القديم على تهذيب النُّفوس وتقويم السُّلوك، كما يُعَدُّ مفتاحاً وشاهداً لفهم القرآن الكريم والسُّنة النَّبويَّة الشَّريفة؛ إذْ كان يُسْتَعَانُ به في شرح ما اسْتُعْصِي منهما، يحمل الشِّعر العربيّ القديم فائدة جليلة، تتمثَّل في كونه أفضل وسيلة لحفظ اللُّغة العربيَّة الأصيلة، منه يكتسب اللِّسان فصاحته وطلاقته، منه تُتَّخذ الشَّواهد والأمثال، قد دعا (أبو بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه) إلى تعلُّم الشِّعر العربيّ القديم لِمَا فيه من قيم وأخلاق راقيَّة، أين ذكر "علِّموا أولادكم الشِّعر، فإنَّه يعلِّمهم مكارم الأخلاق"؛ من هُنا، يكون الشِّعر العربيّ القديم مادة تعليميَّة ذات ضرورة ملِّحة، تتطلَّب منَّا تفحُّص ألفاظه ومعانيه بالتقصِّي العلميّ والأكاديميّ، حفاظاً على الموروث اللُّغويّ العربيّ الأصيل.

          يتوجَّه مقياس (نص أدبيّ قديم / شعر) إلى طلبة السَّنة الأولى ليسانس -جذع مشترك-، كما يُعَدُّ من المقايِّيس المهمَّة بالنِّسبة لهم؛ إذْ يمكِّنهم اكتساب مهارات تعود بالفائدة اللُّغويَّة والفكريَّة على الباحث، ذاك مِنْ خلال المُكاشفة الأكاديميَّة لحيثيَّات النَّص الشِّعريّ العربيّ القديم اعتماداً على المحاور الأساسيَّة التَّاليَّة:

1. تعرُّف الطَّالب على النَّص الشِّعريّ العربيّ القديم، وتاريخ ظهوره، والبيئات التِّي ظهر فيها.

2. قراءة النَّص الشِّعريّ العربيّ القديم قراءة شعريَّة معبِّرة وسليمة، من دون ارتكاب أخطاء.

3. التعرُّف على نظام البناء الشِّعريّ العربيّ القديم، وأساليبه.

4. تحليل النُّصوص الشِّعريَّة العربيَّة القديمة على اختلاف أشكالها، وموضوعاتها، وبيئاتها.

          يكتسب الطَّالب مِنْ هذا المقياس الثِّقة اللُّغويَّة والسِّعة التَّعبيريَّة على محاورة الآخر، وتفعيل القيم المكتسبة في مختلف الأوضاع.

المهارات المكتسبة:

(الأهداف الخاصّة والعامّة):

 

          يكتسب الطّالب مِنْ خلال المُكاشفة الأكاديميّة لحيثيّات النّص الشّعريّ العربيّ القديم، مهاراتٍ تعود بالفائدة اللّغويّة والفكريّة عليه؛ إذْ يتمكّن مِنْ:

1- التعرّف على المدلول اللّغويّ والاصطلاحيّ لمصطلح الأدب.

2- التعرّف على المدلول اللّغويّ والاصطلاحيّ لمصطلح الجاهليّة.

3- التعرّف على المدلول اللّغويّ والاصطلاحيّ لمصطلح الشِّعْر.

4- التعرّف على النّص الشّعريّ العربيّ القديم، وتاريخ ظهوره، والبيئات التّي ظهر فيها.

5- قراءة النّص الشّعريّ العربيّ القديم قراءةً شعريّةً مُعَبِّرةً وسليمةً، مِنْ دون ارتكاب أخطاء.

6- التعرّف على نظام البناء الشّعريّ العربيّ القديم، وأساليبه.

7- تحليل النّصوص الشّعريّة العربيّة القديمة على اختلاف أشكالها، وموضوعاتها، وبيئاتها.