مقياس: نظرية النّظم، لطلبة السنة الثانية ماستر، تخصص نقد عربي حديث ومعاصر، وقد أدرج هذا المقياس ضمن المادة البيداغوجية في حقل النقد العربي الحديث والمعاصر، لما له من فائدة جليلة في تعريف طلبتنا بنتائج البحث اللّغوي والنقدي العربيين في تراثنا القديم، أقول "قديم " باعتبار الزمن لا باعتبار الوصف، فهو كما لا يخفى ثري بالعديد من الاكتشافات العلمية التي لا تزال تحقق انتصارات وفتوحات علمية راقية، تضاهي ما توصلت إليه الدراسات الحديثة، التي تتخذ من منهجا الوصف العلمي والموضوعي.

ولا أشك إطلاقا في أن نظرية النظم الجرجانية هي واحدة من منجزات العقل العربي في تحليلها للظواهر اللغوية وإبراز مكنوناتها المعنوية والدلالية، خاصة ان اتخذت النّص القرآني مادة تحليلها، فهو مدعاة للتبصّر وثروة للإقلاع، كما كان العهد مع عبد القاهر الجرجاني، حين انبرى للبحث في مسألة الإعجاز بعد أن لم يقنعه ما قيل قبله من تفسيرات للظاهرة القرآنية في إعجازها.

فجمع ووعى ما كتب قبله في الإعجاز، واستطاع أن يصل بفضل عبقريته أن يكمل ما بدأه القاضي عبد الجبّار والباقلاني وغيره في طرحهم لفكرة النّظم، فحوّلها من مجرد فكرة عابرة، إلى نظرية قائمة بحجج فاصلة، لا تدع مجالا للشك في أن بعض سرّ الإعجاز قد توصّل إلى دلائله التي هي من مقتضيات النّظم في الإعجاز البلاغي.

ينطلق هذا المطبوع من بدايات التفكير البلاغي عند العرب، وأهم القضايا التي تناولها العلماء من قضية الإعجاز إلى قضية اللفظ والمعنى، حتى وصل الدرس البلاغي إلى القرن الخامس للهجرة مع الجرجاني، فاكتملت صورته الوصفية، التي ما لبثت أن تحوّلت إلى معيارية جامدة قيدتها قواعد وضوابط كان العصر في أمسّ الحاجة إليها، لولا أنّها أطفأت جذوة الإبداع.

لينتقل الدرس إلى نظرية النّظم ومؤسسها وأسسها، وبيان القدرة الإبداعية لديه، لتختتم بنماذج تطبيقية تظهر مدى استجابة نظرية النظم للتطبيق إن على مستوى النّص القرآني أو حتى في الإبداع البشري من قصيد شعر او فصيل نثر.

النقد الأدبي في العصر العباسي

تمهيد:

كان العصر العباسي،عصر قوة و ازدهارو تحضر،و كان أيضا عصر ترف و بذخ،و تحول فيه الشعر و الأدب إلى صناعة،بعد أن كان ينجم عن طبع و سليقة.و تعاظمت الثقافة و اتسعت،فشملت فروع المعرفة كلها،بالإضافة إلى ما ورد إليها من ثقافات أجنبية:فارسية،هندية و يونانية.و تحولت هذه المعارف إلى علوم:علوم اللغة و الأدب و النحو و الصرف...

و تحول الذوق الأدبي إلى ذوق مثقف ثقافة علمية واسعة،و تأثر النقد الأدبي بهذا التطور.

جمع العلماء العرب أشعار الجاهليين و الإسلاميين،فكوّنوا مادة أدبية غزيرة،كما جمعوا مادة اللغة،و اطلعوا على أقوال النقاد السابقين،كما نُقِلت إليهم أقوال الفرس و الهندوس و اليونان في معنى البلاغة  و شروطها،مما أفسح لهم مجال النقد،فارتقى الذوق و تبلور النقد و أصبح أكثر نضجا مما كان عليه قبلا.حيث سار النقد الأدبي في هذا العصر على نمطين:

1ـ الأول:هو مجرد امتداد للنقد الجاهلي و الإسلامي،متماشيا مع ما فرضته البيئة عليه من تحول،فكان علماء اللغة و الأدب من النقاد، أمثال:"الخليل بن أحمد الفراهيدي"،"الكسائي" و "الأصمعي"،...كانوا يستعرضون أشعار الجاهليين و الإسلاميين،و ينتقدون شعرهم و يُبدون رأيهم فيه،فيقولون:{إن شعر النابغة قوي الصناعة شديد الأسر،و شعر امرئ القيس غزير بالمعاني التي لم يسبق إليها،و شعر جرير أسهل و أرق،و شعر الفرزدق أقسى و أصلب،إلى غير ذلك.}

كان هؤلاء العلماء يتنازعون في أفضلية الشعراء،فكان "المفضل الضبي" يقدم الفرزدق على جرير،"و أبو عمرو بن العلاء" يقدم الأخطل،ثم جرير ثم الفرزدق.كان علماء الكوفة مثلا:يقدمون الأعشى على من في طبقته،و علماء البصرة يقدمون امرأ القيس،و أهل الحجاز يقدمون النابغة و زهيرا.و هذا راجع لأسباب منها:أنَّ بعض العلماء كان يحب الغريب من الألفاظ،فيقدم من الشعراء من يستعمل الغريب،و منهم من يحب الغزل،فيقدم أكثرهم غزلا،و منهم من يحب النحو فيقدم الفرزدق؛لإكثاره من التقديم و التأخير و نحو ذلك.

كما وازنوا بين الشعراء،فقال "أبو عمرو بن العلاء" في "أوس بن حجر":{أنه كان فحل مضر حتى نشأ النابغة و زهير فأخملاه.}و قال بأن {"عدي بن زيد" في الشعراء بمنزلة سهيل في النجوم،يعارضا و لا يجري معها.}.و استعرضوا شعر الشعراء و أبانوا عن موضع نبوغهم و ضعفهم،فقالوا:"طفيل الغنوي:أعلم العرب بالخيل و أوصفهم لها،و امرؤ القيس لَيُحسِن وصف المطر،و عنترة يحسن ذكر الحروب،و أُمية بن أبي الصِّلت يحسن ذكر الآخرة،و عمر بن أبي ربيعة يحسن ذكر الشباب.و شبهوا جريرا بالأعشى،الفرزدق بزهير و الأخطل بالنابغة.

استعرضوا الشعراء الذين تواردوا في شعرهم على معنى واحد،ففضلوا قولاً على قول،إذ فضلوا في الصبر على النوائب قول "دريد بن الصمة":

يغار علينا واترين فيُشْتَفَى                          بنا إن أصبنا أو نغير على وتر

بذاك قسمنا الدهر شطرين قسمة                 فما ينقضي إلاَّ و نحن  على شطر

 

و قالوا:أجود بيت،قول جرير:

ألستم  خير من ركب المطايا                      و أندى العالمين بُطون راح

يشبه هذا النوع من النقد إلى حد بعيد،ماكان موجودا في العصر الأموي،إلاّ أنه أعمق منه و أوسع،لأن المادة الأدبية عندهم أغزر و أوفر،كما أنهم تفرغوا له فأصبح صناعة عندهم،إذ كان نقدهم معللا و ليس مجرد أحكام.فضل "الخلف الأحمر" قصيدة "مروان بن حفصة" التي مطلعها:

طرقتك زائرة فحييِّ جمالها                    بيضاء تُخلط بالجمال دلالها.              

على قصيدة "الأعشى" التي مطلعا:

رحلت سمية غدوة أجمالها                   فأصاب حبة قلبه و طحالها

فقال الخلف الأحمر معلقا على هذه القصيدة:{و الطحال ما دخل في شيء قط إلاّ أفسده،و أما قصيدة مروان سليمة كلها،و هكذا من الأحكام المبنية على التعليل.

2 ـ ثانيا: و هو النقد الجديد المحدث،الذي لم ُسبق إليه؛يتميز بالعلمية في النقد،هو نمط التأليف و وضع الكتب،التي تتعرض للنقد و ما يتصل به،فكانت البصرة سباقة لذلك،بفضل الحركة العلمية التي زخرت بها هذه الأخيرة،إذْ ظهر فيها أول حركة للإعتزال؛و كان المعتزلة أول من وضع قواعد البلاغة،لحاجتهم إليها في الدعوة و إقامة الحجج،حيث وضع "بِشرُ بن المعتمر" "الصحيفة الخالدة" في البلاغة،ثم تبعه "الجاحظ".بهذا انقسم النقد في العصر العباسي إلى قسمين: "قسم الأحرار و قسم المحافظين"،فكان "بشار بن برد"،"مسلم بن الوليد" و .... من المجددين الذين حملوا على عاتقهم مهمة تجديد المعاني و الأسلوب.

هذا الإنقسام في النقد بين المحافظة و التجديد،أدّى إلى انقسام النقاد بين : مؤيد للجديد و معارض له،و ظهرت طبقة أخرى حكمت على الأعمال الأدبية من مقياس الفن و الصناعة،فكانت تقيس الشعر بهذا المقياس،فما أظهر المقياس ضعفه ضَعُفَ و لو كان قديا،و ما أظهر المقياس جودته حُكِمَ بجودته و لو كان حديثا.

كان للحزبين أثر على الأدب "الشعر"،إذ نجم عنهما شعراء تحرروا من قيود القصيدة القديمة و خرجوا عن تقاليدها،مثل ما نجده في قصائد "أبي نواس"،أما المحافظون فقد تخوفوا من الخروج عن قواعد القصيد العربية القديمة،فينالوا بذلك السَّخَطَ و النقد.

استند النقد في العصر الجاهلي و الأموي على الذوق وحده،فلما جاء العصر العباسي تحول النقد إلى علم له قواعد و أصول.و كان "ابن سلام الجمحي" من أوائل النقاد في العصر العباسي من دعى إلى التقعيد و التأصيل،من خلال كتابه "طبقات الشعراء" الذي قال:{قال قائل لخلف:إذا سمعت أنا الشعر و استحسنته،فما أبالي ما قلت في أنت و أصحابك.قال له الخلف:إذا أخذت أنت درهما فاستحسنته،فقال لك الصّراف،إنه رديء،هل ينفعك استحسانك له؟}.و قال أيضا:"للشعر صناعة و ثقافة يعرفها أهل العلم،كسائر أصناف العلم و الصناعات،منها ما تثقفه اليد،و منها ما يثقفه اللسان.و من ذلك اللؤلؤ و الياقوت:لا يعرفان بصفة أو وزن،دون معاينته ممن يبصره...}،محاولا ترتيب الشعراء في طبقات،مركزا على الذوق المثقف الواعي و العالم،و ليس على الذوق العادي،في الحكم على الأعمال الأدبية.

 

جاء بعده ابن قتيبة "الشعر و الشعراء"،"أدب الكاتب"،الذي تميز  ب:

ـ عدم التفريق في الوزن بين القديم و المحدث    

 ـ فرّق بين الروح العلمية و الذوق الأدبي،كما نوه إلى أن اشتغال الأديب بالمصطلحات الفلسفية،لا يفيد في الأدب،بل يضعف ذوقه.

و بعده "ابن المعتز" كتاب "البديع" الذي نبّهَ إلى وجود البديع في الشعر الجاهلي و الإسلامي.ثم ظهر العديد من العلماء مثل :"قدامة بن جعفر" كتاب "نقد الشعر"،"جواهر الألفاظ"،"صناعة الكتابة"،"السكاكي" "مفتاح العلوم"،الصولي:"أدب الكتاب"،"شرح ديوان أبي تمام"،"الآمدي" "الموازنة"،"أبو الفرج الأصفهاني" "الأغاني"،"أبو الهلال العسكري" "الصناعتين"،"عبد القاهر الجرجاني" "دلائل الإعجاز" "أسرار البلاغة"،"ابن رشيق القيرواني" "العمدة"...

خاض هؤلاء العلماء في العديد من القضايا النقدية ك : اللفظ و المعنى،الوضوح و الغموض،الفحولة،الجديد و القديم،السرقات،...

و هذا ما سنتطرق له في المحاضرات القادمة بإذن الله

 


النقد في العصر الأموي

اشتد العصف السياسي في العصر الأموي،اشتدادا قويا،بسبب الصراع على الخلافة،بين الأمويين و الهاشميين و الزبيريين،و ما انشق عنهم من أحزاب سياسية و فرق دينية،فكان منها ما يوالي و منها ما يعارض.و سحب الجدال السياسي و الديني أذياله،على منابر و ساحات هؤلاء جميعا،ثم استتبعه الجدل الثقافي و أصبحت له ساحاته و منابره الخاصة.

و قد لاحت سماء الأدب العربي‘معالم لثلاث مدارس أدبية:واحدة في الحجاز و الثانية في العراق و الثالثة في الشام

1 مدرسة الحجاز:

الحجاز خزانة للأموال التي جمعها الأمراء و القادة الجيوش الإسلامية،إذ اكتست أهمية كبيرة و ازدادت أهمية في العصر الأموي.فشهدت الثراء و الإستقرار،و قد نتج عن هذا الترف،ظهور الغناء مع مجيء الجواري من مختلف النواحي،فتفشى الفساد،و قد كانت الحجاز من ناحية أخرى،مركزا دينيا،يدرس فيه القرآن و يشرح فيه الحديث،فصار العديد من الرجال المسلمين يفدون إليه من مختلف الأقطار الإسلامية،ليأخذوا عن رجاله علمهم بالكتاب و السنة،فكان الحجاز مركزا دينيا و بيئة للهو الترف معا.

و قد ازداد تدفق الأموال على الحجاز من الشام "مركز الخلافة".دفع هذا الجو المترف الناس،نحو الأخذ بمتع الحياة و اللهو و الغناء و الموسيقى،و قد عكس الشعراء ذلك في شعرهم،و مالو إلى الغزل الذي صور الواقع المعاش،و طبع  النقد بنفس السمة،إذ انكب النقاد على دراسة  هذا اللون من الشعر،و من أبرز الأسماء الناقدة شخصيات هامتان: "ابن أبي عتيق"و "السيدة سكينة بنت الحسين ابن أبي طالب".حيث كان يلتقي بها الشعراء،فتناقشهم في قصائدهم،و مما ورد عنها،حكمها على بيت جرير:

طرقت صائدة القلوب و ليس ذا                     حين الزيارة فارجعي بسلام

فقالت:"أفلا أخذت بيدها و رحبت بها،و قلت ادخلي بسلام؟أنت رجل عفيف"،إذ فرقت بين الكلام عن الأحاسيس العاطفية و الأخلاق،فالشاعر يتكلم عن العواطف لا عن الأخلاق،و حين نستقبل عزيزا ليس كما نستقبل شخصا عاديا.

ورد عنها كذلك لـ "نُصَيْب"

أهيم بدعد ما حييت فإن أمت                       فوا حزنا من ذا يهيم بها بعدي

فعابت عليه السيدة سكينة،صرف نظره إلى من يعيش مع "دعد" و رأت من الصواب أن يقول:

أهيم بدعد ما حييت فإن أمت                     فلا صلحت دعد لذي خُلَّة بعدي

أما "ابن أبي العتيق" فقد تميز بنقد شعر "عمر بن أبي ربيعة"،إذ قال هذا الأخير منشدا في غرض الغزل:

بينما ينعتنني أبصرنني                         دون قيد الميل يعدو بي الأغر

قالت الكبرى أتعرفن الفتى؟                قالت الوسطى:نعم هذا عمر

قالت الصغرى و قد تيّمتها                 قد عرفناه و هل يخفى القمر؟

فقال ابن أبي عتيق معلقا:أنت لم تنسب بها،و إنما نسبت بنفسك،أي تغزل بنفسه.

     سمع عمر ابن أبي ربيعة "كُثِيراً " يقول:

  ألا ليـتنـا يـا عـزَّ كـنّا لذي غِنًى

بعيرَينِ نرْعى في الخلاءِ ونَعْزُبُ

نكونُ بعيرَي ذي غِنًى فيُضيعُنا

فـلا هـو يـرعـانـا ولا نحـنُ نُطلبُ

كـلانـا بـه عُـرٌّ فـمـن يـرَنـا يقُلْ

على حُسنها جرْباءُ تُعْدي وأجرَبُ

إذا ما وردْنا منهلاً صاحَ أهـلُـه

عـلينا فـما ننفكُّ نُـرْمـى ونُضـربُ

وددْتُ وبــيـتِ الله أنّـكِ بــكْــرَةٌ

هـجـانٌ وأنّـي مُـصـعـبٌ ثمَّ نَهْرب

فقال عمر:تمنيت لها و لنفسك الرِّق و الجرب و الرمي و الطرد و المسخ،فأي مكروه لم تتمنه لك و لها؟لقد أصابها منك قول القائل:"معاداة عاقل خير من مودة أحمق".

هذا و قد حدد النقاد الحجازيون "الغلو و المبالغة" مقياسا،في رسم العاطفة.و من ثمة صار إذا ما عبّر الشاعر عن عاطفته بغلو،أو بصورة خارجة عن المألوف،كانت غريبة مضحكة،تشبه النوادر.قال عمر بن أبي ربيعة شعرا فيه فلو:

و من كان محزونا بإهراق عبرة                  و هي غربها فليأتنا نبكه غدا

نُعنه على الأثكال إن كان ثاكلا                  و إن كان محزونا و إن كان مقصدا

فمضى ابن أبي عتيق إلى عمر،و قال له:"جئناك لموعدك،قال : و أي موعد بيننا؟ قال: قولك:"فليأتنا نبكه غدا".و قد جئناك والله لا نبرح أو تبكي،إن كنت صادقا، أو ننصرف على أنك غير صادق،ثم مضى و تركه.

    إنّ مثل هذه الصورة زائدة عن اللزوم،في التعبير عن الأحاسيس العاطفية،و المواقف الإنسانية.بالتالي فهي صورة سافرة غير مقبولة؛ لأنها غير صادقة .

   2 ـ مدرسة العراق: 

اختلف الشعر في بيئة العراق عما كان عليه في الحجاز و الشام.فالشعر في العراق يشبه إلى حد كبير الشعر الجاهلي،في مضمونه و أسلوبه،و يعود ذلك إلى عامل العصبية القبلية،التي ظهرت مجددا،بعد أن تلاشت في صدر الإسلام،حيث نبذها الإسلام.و تمثلت أغلب موضوعات الشعر في العراق:في الفخر و الإعتزاز و هجاء الخصوم،بالهجاء المر المقذع.أماّ غرض الغزل و غيره من الأغراض،فكانت ليست ذات أهمية و قليلة الرواج.فانحصر الشعر في "النقائض"،التي حمل لواءها الثالوث الخطير:"الفرزدق،جرير و الأخطل".الذين جعلوا من العراق أشهر مكان للتنافس في هذا اللون من الشعر.مما ساعد في انتشار "النقائض" وُلُوعَ الناس به في أسواق الشعر.

كان لكل شاعر حلقة ينشد فيها شعره،و يحمس أنصاره في جو مملوء بالهرج و النقاش،حتى قيل أن والي البصرة، ضج  بما أحدثه هؤلاء الشعراء، من صخب و اضطراب في أوساط الناس، فأمر بهدم منازلهم.

و قيل أن "الأخطل" تحالف مع "الفرزدق" ضد "جرير"،لكن جرير أفحمهما شعرا.و قيل أن أكثر من أربعين شاعرا،تحالفوا ضده فأسكتهم،لقدراته و مهاراته في هذا الفن،حتى اعتبر الشاعر الذي لا يسير على طريقة هؤلاء في المدح و الهجاء،شاعرا متخلفا و ضعيفا.حيث قال "ذو الرمة" "للفرزدق":{مالي لا ألحق بكم معشر الفحول؟فقال له:لتجافيك في المدح و الهجاء و اقتصارك على الرسوم و الديار}.أي أنه ينظم على منوال القدماء.فالنقد في العراق تلاءم مع طبيعة البيئة العراقية،و ما كان فيها من شعر،حيث اتجه النقاد إلى الموازنة بين الشعراء و أيُّ الثلاثة أشعر؟و سموا هذا قضاء،و الذي يحكم قاضيا،و سموا "الحكم" و "الحاكم:"حكومة".قال جرير في الأخطل لماّ فضل الفرزدق عليه:

فدعوا الحكومة لستموا من أهلها                    إنّ الحكومة في بني شيبان

لم يكن هذا النوع من النقد الوحيد في العراق،لأن هناك بعض الشعراء من قال شعرا خارج النقائض.لذلك عُنِيَ النقاد بمميزات الشاعر.و ما تفرد به عن غيره،و البحث عن مواطن قوته و ضعفه و موازنته بغيره و إصدار الحكم عليه.حكم الفرزدق على النابغةالجعدي بأنه صاحب خلقان.فالبيت عنده يساوي آلاف الدراهم و ليست لا يساوي درهما.و هو حكمه على ذي الرمة بجودة شعره لولا وقوفه عند البكاءو الدمن.

و حكم على الأخطل بأنه يجيد  مدح الملوك.و موازنة الأخطل بين جرير و الفرزدق بأن جريرا يغرف من بحر،و الفرزدق ينحت من صخر.إلى جانب نقد الموازنة في شعر النقائض.و النقد الذي عني بإبراز ما نفرّد به بعض الشعراء عن غيرهم.فهناك نقد يُعنى بالمعاني الجزئية في شعر الشاعر دون موازنته بغيره.فقد نقد "الحجاج الفرزدق" حين مدحه قائلا:

من يأمن الحجاج و الطير تتقي                  عقوبته إلاّ ضعيف العزائم

فقال الحجاج:"الطير تتقي كل شيء،حتى الثوب و الصبي.و فضل عليه قول جرير في نفس المعنى:

من يأمن الحجاج أما عقابه                      فمر و أما عهده فوثيق

3ـ مدرسة الشام:

إذا كان أكبر مظهر للأدب في الحجاز هو الغزل،و أكبر مظهر للأدب في العراق الفخر و الهجاء،فإن أكبر مظهر للأدب في الشام هو المديح،و لذلك اختلفت الحركة النقدية في الشام على ما كانت عليه في الحجاز و العراق،وفقد عاشت الحركة النقدية هناك في بلاط الخلفاء الأمويين و قصورهم في مختلف الأقاليم و الأمصار،و سبب ذلك أن دمشق كانت عاصمة الخلافة الأموية،يفد الشعراء إلى خلفائها من كل حدب و صوب،و كان بنوا أمية عربا،أقحاحا فصحاء،يتذوقون الشعر و يعجبون به و يطربون لسماعه،و يكافئون الشعراء عليه،و كانت قصورهم شبه منتديات للشعر و مراكز للمناقشات،في مختلف القضايا الأدبية،و ما يناسب القصور هو المديح،لذلك لُوِّن الشعر بهذا اللون،و لُوِّن النقد بلونه أيضا.

شجع الخلفاء الشعراءَ على مدحهم،و الرد على خصومهم "شيعة"و "زبيريين"،و منحوهم مقابل ذلك جوائز مالية معتبرة.و من أبرز هؤلاء الشعراء "كُثير عزة"و "الأخطل".و قد ارتبط النقد بطبيعة  الشعر.و من أشهر نماذج شعر المديح ذاك الذي كان يُعرض على "عبد الملك بن مروان"،إذ كان يملك ذوقا رفيعا مكّنه من الفهم العميق لمحتوى الشعر و صياغة و توجيه الشعراء و إرشادهم.

  تميزت حركة النقد في الشام بميزتين:"النقد الرسمي"و "النقد الفني".أما النقد الرسمي فهو ذلك الذي يمثل وجه الخلاف في الرؤيا بين الشاعر و بين الخليفة الممدوح في رسم صورته الشخصية،لأن رجل السلطة يرى نفسه شخصية متميزة غير عادية،و من ثم كان على الشاعر أن يأخذ ذلك في الحسبان،و من ذلك ما جرى بين عبد الملك بن مروان و ابن قيس الرقيات،حين مدحه بقصيدة جاء فيها:

إنَّ الأغرّ الذي أبوه أبو                   العاص عليه الوقار و الحُجُبُ

يعتدل التاج فوق مفرقه                 على جبين كأنه الذهب

فقال الخليفة:"يا ابن قيس،تمدحني بالتاج كأني من العجم!،و تمدح مصعبا كأنه شهب من الله .إشارة إلى قول الشاعر:

  إنما مصعب شهاب من الله               تجلت عن وجهه الظلماء

و قال جرير في يزيد بن عبد الملك:

هذا ابن عمي في دمشق خليفة                 لو شئت ساقهم إلىّ قطينا

فعلق يزيد على معنى البيت قائلا:"يقول لي ابن عمي،ثم يقول لوشئت ساقهم إليَّ.أما لو قال:لو شاء ساقهم لأصاب،فقد جعلني شرطيا له.

لقد لفت عبد الملك بن مروان الشعر إلى رسم الصورة الشعرية،بما يناسب مقامه،و إبراز الفضائل الخلقية و الدينية التي تشير إلى إعجاب الرعية  ،و الدالة على التقوى و العدل و الفضيلة.و كان تقدير عبد الملك للمقام و إحساسه بجودة المعنى و جمال الصورة إحساسا دقيقا،ينم عن قوة و عمق تذوقه للشعر،فقد أنشده راعي الإبل مرة:

أخليفة الرحمان إنّا معشر                    حنفاء نسجد بكرة و أصيلا

عرب نرى الله في أموالنا                   حق الزكاة منزّلا تنزيلا

فقال له:ليس هذا بشعر،إنما هو شرح إسلام و قراءة آية،و يعني بذلك أنَّ مثل هذا الشعر قيِّم في مضمونه،جاف فقير من الناحية الفنية،و بالتالي ليس بالشعر الجيد الذي ينبغي أن يكون كذلك في المعنى و المبنى.

 

اسم الوحدة : وحدات التعليم الأساسية2

اسم المادة : علم السرديات 2

الرصيد :5

المعامل : 3

أهداف التعليم:

- تزويد الطالب بالمعلومات اللازمة من أجل التعرف على علم السرديات

- تمكين الطالب في المستقبل من إجراء تحليل سردي بمختلف مستوياته للنصوص السردية على اختلاف أشكالها.

(بَيْنِ المَنْظُومِ والمَنْثُورِ)

(عن حسن بنيخلف، إشكالات النّثر العربـيّ القديم وخصائصه، 09 يوليو 2012م، ديوان العرب (منبر حرّ للثّقافة والفكر والأدب)، تاريخ الزّيارة: 07/04/2020م، (www.diwanalarab.com

          إنَّ الحديث عن النّثر في الأدب العربيّ يَرِدُ عنْد كثيرٍ مِنَ الدّارسين في إطار مقارنته بالشّعر. وهي مقارنة تجعل منْه، غالباً، جِنْساً أدبيّاً أدْنى مَرْتَبَةً مِنَ الشّعر، أو أضْعف تأثيراً، أو أقلّ حضوراً. وهذا ما تُفْصِحُ عنْه أقوال بعْض القدامى: قال (أبو الحسن السلامي، شاعر عبّاسيّ ت. 393ه): "مِنْ فضائلِ النَّظْمِ أَنْ صارَ [لَنَا] صناعةٌ برأسِها، وتَكَلَّمَ النّاسُ في قوافِيها، و تَوَسَّعُوا في تصاريفِها وأعاريضِها، وتصرَّفُوا في بحورِها... وما هكذا النَّثْرُ، فإنَّه قَصُرَ عن هذه الذُّرْوَةِ الشَّامِخَةِ، وَالقِلَّةِ العَالِيَّةِ...". وقال (ابن نباتة، شاعر مصريّ ت. 768ه): "مِنْ فَضْلِ النَّظْمِ أَنَّ الشَّوَاهِدَ لا تُوجَدُ إلّا فِيهِ، والحُجَجَ لا تُؤْخَذُ إلَّا مِنْهُ، أَعْنِي [أَنَّ] العُلَمَاءَ والحُكَمَاءَ وَاللُّغَوِيِّينَ يَقُولُونَ: "قَالَ الشَّاعِرُ"؛ وَ"هَذَا كَثِيرٌ فِي الشِّعْرِ"، وَ"الشِّعْرُ قَدْ أَتَى بِهِ"، فَعَلَى هَذَا، الشَّاعِرُ هُوَ صَاحِبُ الحُجَّةِ، وَالشِّعْرُ هُوَ الحُجَّةُ».

          إِنَّ الشِّعْرَ يَفْضُلُ النَّثْرَ لكونه أصْبح صناعةً لها قواعدها المُتعارف عليها. كما أنّه مصدرٌ للاستشهاد والاحتجاج، فمنْه يستقي العُلماء والحُكماء واللُّغويون حُجَجَهم وشواهدَهم. وفي المقابل نجد مواقف أخرى تنتصر للنّثر لكونه الأصل الذّي يَشْرُفُ على فرْعه وهو الشّعر، على الرّغم مِنْ أنَّ أصحابها يعترفون بأنَّ لكلٍّ منْهما محاسن ومساوئ؛ يقول (أبو حيان التوحيدي، مِنْ كتاب الإمْتاع والمؤانسة ت. 414ه ): «...النَّثْرُ أَصْلُ الكَلَامِ، وَالنَّظْمُ فَرْعُهُ؛ وَالأَصْلُ أَشْرَفُ مِنَ الفَرْعِ، وَالفَرْعُ أَنْقَصُ مِنَ الأَصْلِ؛ لَكِنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا زَائِنَاتٌ وَشَائِنَاتٌ». بَيْدَ أنَّ مثْل هذه المواقف والتصوّرات استحالتْ، في مراحل معيّنةٍ مِنْ تاريخ الأدب العربيّ إلى قناعاتٍ أدبيّةٍ وفكريّةٍ، يتعذّر تغيّيرها أو تعديلها لما أصبح لها مِنْ مصداقيّةٍ يَشْهَدُ بها التّاريخُ والأدبُ نفسُه؛ عِلْماً بأنَّ التّاريخ إذا مَنَحَ السَّبْقَ لظاهرةٍ ما، فإنَّ ذلك لا يعني أنّه يسمو بها فنّيّاً أو يُؤْثِرُها جماليّاً.

          يُمْكِنُ القَوْلُ، إذن، أَنَّ التّنازع بيْن الشّعر والنّثر مرّ بمرحلتين هما: «المرحلةُ الأولى، اكتسبتْ طابعَ صراعٍ وُجُودِيٍّ بيْن الشّعرِ والنّثرِ، حيْث دارتْ أهمُّ المُناقشاتِ حَوْلَ الأسبقيّةِ في الوُجُودِ (الأَصْل،الفَرْع) أَوْ أَهَمِّيَّةِ المَصْدَرِ (العَقْل، القَلْب)». و«المرحلةُ الثانيّةُ، تميّزتْ ببروزِ الوَعْيِّ النَّقْدِيِّ للجَمْعِ بيْن الشِّعْرِ و النَّثْرِ، في ظلِّ مفْهومٍ جديدٍ هو ما اصْطُلِحَ عليْه لدى العسكريّ بالكتابةِ»؛ لهذا فإنَّ النّظر إلى الشّعر والنّثر باعتبارهما ثنائيّة يَحْكُمُها التّضاد أو التّنازع مسألةٌ ما تزال تُطْرَحُ بِشَكْلٍ مَغْلُوطٍ؛ إذْ مِنَ المعلوم أنَّ «قَضِيَّةَ الشِّعْرِ وَالنَّثْرِ طُرِحَتْ مِنْ زَوَايَا مُتَعَدَّدَةٍ؛ كَالنَّظَرِ لِلنَّثْرِ بِاعْتِبَارِهِ مُنَافِساً لِلشِّعْرِ».

          إنَّ الأجْناس والفنون الأدبيّة تنبثق في سياقٍ تاريخيٍّ محدّدٍ، مِنْ تراكم التّجارب الإنسانيّة والفنّيّة وتفاعل الأشخاص مع محيطهم لتستجيب لحاجاتٍ نفسيّةٍ واجتماعيّةٍ وفنّيّةٍ، ولهذا كانــــت «مصداقيّة النّوع تُسْتَمَدُّ مِنْ وظيفته، التّي تتجاوز في بعْض الأحيان حدود الأدبيّ إلى ما هو تاريخيّ أو اجتماعيّ». وبناءً على هذا، فإنَّ الحديث عن النّثر في الأدب العربيّ يستوجب الالتزام بمجموعةٍ مِنَ التحديدات؛ حتّى لا يظلّ حديثاً ملتبساً؛ عِلْماً بأنَّ هذه التحديدات تتعلّق بالأجْناس النّثريّة وما ارتبط بها مِنْ مفهومات، وما تمخّض عنها مِنْ أشكالٍ وخصائص فنّيّةٍ، ومضامين متنوّعةٍ، وما طرأ عليها مِنْ تغيّيرات فرضتها سياقات التّاريخ، أو ضرورات الفنّ، أو حاجات الإنسان، ولهذا فإنَّ النّظر إلى النّثر يتمثّل باعتباره إضافةً فنّيّةً نوعيّةً لمْ تتبلور لتنافس الشّعر، وإنّما لتغني الأدب العربيّ، ولتفتح آفاقاً أخرى للتّعبير، واتّخاذ المواقف، والنّظر إلى الأمور مِنْ زوايا أخرى.

          لكن رغم ما عرفه النّثر مِنْ تطوّر وتحوّل في مختلف أنواعه وموضوعاته، فإنّه ظلّ الجِنْس الأدبيّ الأقلّ حضوراً وتأثيراً في الإنسان والحياة العربيّين. ولقدْ عالج القدامى هذه الظّاهرة، وذهبوا في تفسيرها مذاهب، تحكّمت فيها الميول والأهواء والمصالح أو القناعات والحقائق؛ يقول أبو القاسم الإشبيلي (ت. 581ه): «وإنَّما خَصَّصْتُ المَنْثُورَ لِأَنَّهُ الأَصْلُ الذِّي أَمِنَ العُلَمَاءُ -لِامْتِزَاجِهِ بِطَبَائِعِهِم- ذَهَابَ اسْمِهِ فَأَغْفَلُوهُ؛ وَضَمِنَ الفُصَحَاءُ -لِغَلَبَتِهِ عَلَى أَذْهَانِهِم- بَقَاءَ رَسْمِهِ فَأَهْمَلُوهُ، وَلَمْ يَحْكُمُوا قَوَانِينَهُ، وَلَا حَصَرُوا أَفَانِينَهُ»؛ لهذا النصّ قيمتان: قيمة تاريخيّةٌ ـ فكريّةٌ، وأخرى علميّةٌ، فالأولى تعكس وعي القدامى المبكّر بإشكال النّثر في الأدب العربيّ، أما القيمة العلميّة أو النّقديّة فتتجلّى في سعيها إلى تـفسير ما لَحِقَهُ مِنْ إهمالٍ لأسبابٍ متعدّدةٍ.

       وعُمُوماً، يمكن أنْ نستنتج مِنَ النصّ السّابق ما يلي:

أ‌-                  أنَّ أبا القاسم الإشبيلي يجعل النّثر هو الأصل، لهذا كان الأحقّ بالاهتمام والدّراسة.

ب‌-             أنَّ العلماء أغفلوا النّثر لأنّهم اطمأنّوا إلى عدم انْدثاره لِكَوْنِه يُشَكِّلُ جزءً مِنْ طبائعهم؛ إذْ هو لسانهم وتُرْجُمَانُ أحوالِهم.

ت‌-            أمَّا الفصحاء فأهملوه لِكَوْنِهم ضَمِنُوا بقاءَه و دوامَه لارْتباطه وغَلَبَتِه على مَلَكَاتِهِم الذهنيّة.

ث‌-            مِنْ هنا كانت أسباب الإغفال والإهمال تَنْحَصِرُ في اقْتناع العلماء والفصحاء، واطْمئنانهم إلى قُدْرَةِ النّثر على البقاء والاسْتمرار.

ج‌-              بَيْدَ أنَّ موقف أولئك العلماء والفصحاء قدْ ترَّتبتْ عليه انْعكاسات ونتائج سلبيّة؛ إذْ ظلّ النّثر دون تَقْعِيدٍ، فلمْ تُضْبَطْ قوانينه، كما لمْ تُحْصَرْ فُنُونُه. يقول أبو القاسم الإشبيلي: "وَلَمْ يَحْكُمُوا قَوَانِينَهُ، وَلَا حَصَرُوا أَفَانِينَهُ".

          ولا يخفى ما يتضمّنه كلام أبي القاسم الإشبيلي مِنْ إشاراتٍ في غاية الأهمّية لِكَوْنِها تنْدرج ضمن الوظائف التصنيفيّة و التجنيسيّة، التّي يجب أنْ يَضْطَلِعَ بها مُبْدِعُو الأدب ومؤرّخوه ودارسوه، ولعلّ هذا ما حاول أنْ يقوم به أبو القاسم الإشبيلي مِنْ خلال تأليفه لكتاب (إحكام صنعة الكلام)؛ إذْ يشي عنوان الكتاب بذلك، ويَصْدُقُه مضمونه إلى حدٍّ كبيرٍ.

4 ــ موضوعات النّثر وخصائصه:

          يتردّد كثيراً أنَّ كُلَّ فنٍّ أدبيٍّ يختص بموضوعٍ أو غرضٍ معيّنٍ دون الموضوعات أو الأغراض الأخرى، وذلك اعتماداً على مجموعةٍ مِنَ المعطيات الشّكليّة والأسلوبيّة والدّلاليّة؛ عِلْماً بأنَّ مِثْلَ هذه المعطيات أصبحت مِنَ المعايِّير التّي يمكن توظيفها في تصنيف النّصوص الأدبيّة وتجنيسها. وهكذا، نجد في (مقدّمة ابن خلدون) التّنبيه التّالي: «وَاعْلَمْ أَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الفُنُونِ أَسَالِيبَ تَخْتَصُّ بِهِ عِـنْدَ أَهْلِهِ وَلَا تَصِحُّ لِلْفَنِّ الآَخَرِ، وَلَا تُسْتَعْمَلُ فِيهِ، مِثْلَ النَّسِيبِ المُخْتَصِّ باِلشِّعْرِ، وَالْحَمْدِ وَالدُّعَاءِ المُخْتَصِّ بِالْخُطَبِ، وَالدُّعَاءِ الْمُخْتَصِّ بِالْمُخَاطَبَاتِ وَأَمْثَالِ ذَلِكَ».

        مِنْ هذا النصّ يمكن أنْ نستخلص ما يلي:

أ‌-                 إنَّ الفنون التّي كانت سائدةً ومعترفاً بها لشُيُوعها وتداولها هي: الشّعر، والخُطَب، والمُخَاطبات (أيْ الرّسائل). وهذه الفنون في اصطلاح القدامى، هي التّي نُسَمِّيها حديثاً أجْناساً أدبيّةً.

ب‌-             يعترف ابن خلدون أنَّ لكلِّ فنٍّ أساليبُه الخاصّة به، والتّي لا تلاءم الفنون الأخرى. ومِنْ هذه الأساليب: النّسيب والحَمْد والدّعاء؛ التّي يمكن اعتبارها أغراضاً وعناصر بنائيّةً تتقوّم بها الفنون أو الأجْناس المذكورة في قولِه.

ت‌-            يؤكّد ابن خلدون أنَّ لكلِّ فنٍّ أهلٌّ هم أدرى به وأحفظُ له، شعراءٌ كانوا أو خُطَبَاءٌ أو متراسلون، يَعُونَ الفوارقَ الكائنة بيْن الفنون، ويحترمون قواعدَها وتقاليدَها.

ث‌-            إنَّ ما خَلُصَ إليه ابن خلدون -وغيْره مِنَ القدامى- اسْتنتاجات أفْضى إليها استقراؤهم لفنون الأدب السّائدة في عصورهم؛ إنّها بمثابة العناصر المهيمنة على تلك الفنون في مراحل معيّنة، والتّي كانت وستبقى قابلةً للتّغيّير، بالإضافة أو الحذف أو التّوسيع أو التّضيّيق، بِفِعْلِ المؤثّرات الكثيرة كالتّفاعل والتّلاقح والتّداخل التّي تكون فنون الأدب، عادةً، مسرحاً لها عبْر العصور، يقول ابن خلدون: «وَلَا غَرَابَةَ فِي ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ أَشَرْنَا إِلَى أَنَّ الفَوَارِقَ وَالحَوَاجِزَ بَيْنَ الفُنُونِ الأَدَبِيَّةِ لَيْسَتْ حَاسِمَةً قَاطِعَةً، فَهُنَاكَ تَدَاخُلٌ بِنِسَبٍ مُخْتَلِفَةٍ بَيْنَ الفُنُونِ الأَدَبِيَّةِ، أَوْ بَيْنَ بَعْضِهَا وَالبَعْضِ الآَخَرِ».

          أمَّا فيما يتعلّق بالخصائص، فتنبغي الإشارة إلى أنَّ النّثر العربيّ القديم يُشَكِّلُ فَنّاً أو جِنْساً أدبيّاً عامّاً تنْدرج تحته مجموعةٌ مِنَ الأنْواع والأصْناف الأدبيّة، أو ما يُسَمَّى بالأجْناس الفرعيّة كالمقامة والخُطْبَة والرّسالة والوصيّة والحِكْمَة والمَثَلْ والخَبَرْ. ورغم مابيْن هذه الأجْناس مِنْ اختلافات وتمايزات، فإنَّها تتقاسم مجموعةً مِنَ الخصائص التّي تتعلّق ببنائها وبمكوِّناتها اللّغويّة والشّكليّة والموضوعاتيّة، ولعلّ أبرز خاصّيّةٍ هَيْمَنَتْ على النّثر العربيّ القديم تتمثّل في ظاهرةٍ أسلوبيّةٍ هي المحسّنات البديعيّة. لكن يحقّ لنا أنْ نتساءل: هلْ مِنَ الإنْصاف أنْ نختزل تُرَاثاً نَثْرِيّاً ضَخْماً في ظاهرةِ المحسّناتِ؟ أَلَمْ تُسِئْ مِثْل هذه الاسْتنتاجات إلى عظمةِ هذا التّراثِ وغناه؟

       لهذا يصبح مِنَ اللّازم أنْ نوسّع مِنْ آفاق البحث في التّراث النّثريّ العربيّ للكشف عن خصائص وظواهر أخرى؛ ولنْ يتسنّى ذلك إلّا مِنْ خلال وضع ظاهرة المحسّنات في إطارها الصّحيح، ومَنْحِهَا حَجْمَهَا الحقيقيّ. وتنبغي الإشارة إلى أنَّ تضْخيم ظاهرة المحسّنات يرجع إلى أسبابٍ كثيرةٍ، منْها:

-       أنّها ظاهرةٌ لافتةٌ للنّظر، ومُهَيْمِنَةٌ على باقي الظّواهر.

-       أنَّ ضَبْطَها، بالتّالي، لا يحتاج إلى كبيرِ عَنَاءٍ.

-       أنَّ لها ما يبرّرها، سواء أ تعلّق الأمر بقواعد الكتابة، التّي تَمَّ التّوافق عليها قديماً، أمْ بالاسْتجابة لمتطلّبات العَصْر، أمْ بالنّزول عنْد رغبة بعْض الحُكَّامِ والزُّعَمَاءِ؛ هذا فَضْلاً عن الدّور المهمّ الذّي اضْطَلَعَ به السّجع فيما يخصّ الحفاظ على النّصوص النّثريّة؛ إذْ «يُشِيرُ الجاحظُ إلى أنَّ السّجع يُثَّبِتُ ويَحْفَظُ الخطابَ، الذّي، بتحرّرِه مِنَ الوزنِ والقافيّةِ، يكون النّسْيانُ إليْه أسرع». ولقدْ ترّتبتْ على هذه الظّاهرة نتائج سلبيّة؛ ذلك أنّه «مَا مِنْ شَكٍّ في أنَّ طُغْيَانَ المحسّناتِ اللّفظيّةِ على الأدبِ العربيِّ شِعْراً ونَثْراً قدْ كان مِنَ الأساليبِ الأساسيّةِ في تضيّيقِ نطاقِهِ».

       وفي هذا الإطار ينْبغي أنْ نوّضح ما يليّ:

أ‌-                  إنَّ الإشْكال المطروح لا ينْحصر في الاعْتراف بطُغْيَان المحسّنات على الأدب العربيّ، أو إنْكار ذلك، وإنَّما هو في مُعالجة الدّارسين لهذه الظّاهرة؛ ذلك أنَّ نَوْعَ هذه المُعالجةِ وحجمِها وأهدافِها هي العواملُ التّي تُسْهِمُ في إبْراز ظاهرة المحسّنات، وتضْخيمها على حساب ظواهر فنّيّةٍ وجماليّةٍ أخرى.

ب‌-             إنَّ المحسّنات ظاهرةٌ لغويّةٌ وأسلوبيّةٌ تُضْمِرُ ظواهر ودلالاتٍ نفسيّةٍ وسُلُوكيّةٍ واجتماعيّةٍ وحضاريّةٍ، تظلّ    -هي الأخرى- في حاجةٍ إلى دراسةٍ وتمْحيصٍ؛ وتنْدرج تلك المحسّنات، كما أشار إلى ذلك شوقي ضيف سابقاً، ضمْن ظاهرة التأنّق والتنميق.

ت‌-            إنَّ للمحسّنات وظائف عديدة، ومنْها الوظيفة التنميقيّة؛ غيْر أنَّ النّصوص المضمرة بهذه المحسّنات قادرةٌ على الاضْطلاع بوظائف أخرى. ومِنْ ذلك أنَّ النّصوص الموّشاة بالأسْجاع، على سبيل المثال، لمْ يكنْ الغرض منْها التزيّين فحسْب، وإنّما إْمتاع المتلقّي بتلك الموسيقى أو الإيقاعات المُتَوَلِّدَة عن الأسْجاع، ممّا يُعَدُّ حنيناً إلى أجْواء الشّعر وطُقُوسِه، وتعْبيراً عن مدى التعلّق به؛ لهذا «فإنَّ السّجع في الكلام كمِثْل القافيّة في الشّعر، وإنْ كانت القافيّة غيْر مُسْتَغْنَى عنْها والسّجع مُسْتَغْنَى عنْه؛ فأمَّا أنْ يَلْزَمَهُ الإنسانُ في جميع قولِه و[رسائلِه] وخُطَبِه ومُنَاقَلَاتِه، فذلك جَهْلٌ مِنْ فاعلِه، وعِيٌّ مِنْ قائلِه».

          يُمكن القَوْل، إذن، أنَّ النّاثر العربيّ القديم حاول أنْ يُوَّفِقَ بيْن الجانبيْن العقليّ والفنّيّ «وقدْ بيَّن [التوحيدي]     -خاصّةً- أهمّية كُلٍّ مِنْ عُنْصريّ العَقْل والموسيقى في النّثر الفنّيّ». ومِنْ ثمَّ أَوْلَى بعْض القدامى للنّزعة العقليّة في النّثر أهمّيّةً كبرى لِكَوْنِها مِنَ الخصائص التّي تميّزه عن الشّعر؛ ولهذا قيل: «النَّثْرُ مِنْ قِبَلِ العَقْلِ، وَالنَّظْمُ مِنْ قِبَلِ الحِسِّ»، وأضاف آخرون خصائص تُسْهِمُ، في نظرهم، في تشريف النّثر وتفضيله على الشّعر؛ حيْث قيل: «وَمِنْ شَرَفِ النَّثْرِ أَيْضاً أَنَّهُ مُبَرَّأٌ مِنَ التَكَلُّفِ، مُنَزَّهٌ عن الضَّرُورَةِ، غَنِيٌّ عن الاعْتِذَارِ وَالافْتِقَارِ، وَالتَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ وَالحَذْفِ وَالتَّكْرِيرِ...».

       مِنْ هنا كان النّثر في الأدب العربيّ القديم موسوماً بخصائص وعلاماتٍ، تتمثّل في:

أ‌-                 توشيّة النّصوص بالمحسّنات، ومنْها السّجع، لاسيما إذا كان النصّ مقامةً أو خُطْبَةً أو رسالةً.

ب‌-            تدعيمها بآياتٍ قرآنيّةٍ وأحاديث نبويّةٍ.

ت‌-            تضمينها مختاراتٍ مِنَ الأشْعارِ والأمْثالِ والحِكَمِ

ث‌-            انفتاحها على موضوعاتٍ وأغْراضٍ كانتْ حِكْراً على الشّعر: كالغزل والمديح والهجاء والفخر، وغيْر ذلك. كما أنَّ النّثر تميّز، مِنْ حيْث وظائفه، بسِمَتَيْنِ قدْ تبدوان غيْر منْسجمتين هما: الإقْناع والتّرميز.

          ولقدْ ذهب بعْض القدامى إلى أنَّ بلاغة النّثر تستوجب مجموعةً مِنَ الشّروط والمواصفات؛ يقول أبو حيان التوحيدي: «وَأَمَّا بَلَاغَةُ النَّثْرِ فَأَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ مُتَنَاوَلاً، وَالمَعْنَى مَشْهُوراً، وَالتَّهْذِيبُ مُسْتَعْمَلاً، وَالمُرَادُ سَلِيماً، وَالرَّوْنَقُ عَالِيًّا، وَالحَوَاشِي رَقِيقَةً، وَالصَّفَائِحُ مَصْقُولَةً، وَالْأَمْثِلَةُ خَفِيفَةَ الْمَأْخَذِ، وَالهَوَادِي مُتَّصِلَةً، وَالْأَعْجَازُ مُفَصَّلَةً».

          إنَّ النّثر العربيّ القديم، بهذه المعايّير والخصائص، يُشَيِّدُ كيانه الخاصّ، ويَبْنِي مِعْمَارَه المتميّز عن الفنون والأجْناس الأخرى، سواء تعلّق الأمْر بالشّكل أو المضمون. كما أنَّ تلك المعايّير والخصائص مِنْ شأنها أنْ تُصْبِحَ أدوات صالحةً لتصنيفِه وتجنيسِه.


مفْهوم النَّثْر في النّقد الأدبيّ العربيّ القديم

(عن حسن بنيخلف، إشكالات النّثر العربـيّ القديم وخصائصه، 09 يوليو 2012م، ديوان العرب (منبر حرّ للثّقافة والفكر والأدب)، تاريخ الزّيارة: 07/04/2020م، (www.diwanalarab.com

1 ــ مصطلحات النّثر ومفهومه وتطوّره:

          ممّا تنبغي الإشارة إليه أنَّ القدامى أطلقوا على النّثر مصطلحات كثيرة أبرزها: المنثور والكلام والكتابة. وهي مصطلحات قدْ تبْدو متبايّنة مِنْ حيْث دلالاتها. إنَّ المنثور يُبَايِن المنظوم ويُخالفه؛ لأن َّكلَّ واحدٍ منهما يشكِّل جِنْساً أو فنّاً مستقّلاً بذاته؛ يقول (ابن خلدون ت. 1406م _المقدّمة_): «وإنَّما المقصود منْه [أيْ مِنْ عِلْمِ الأَدَبِ] عنْد أهل اللِّسان ثَمَرَتَه وهي الإجادة في فنيّ المنظوم والمنثور على أساليب العرب ومناحيهم». إنَّ المنظوم والمنثور فنّان تسمو قيمتُهما، ويعلُو شأنهما حسْب ابن خلدون بشرط الإجادة. وهذه الإجادة هي ثمرة عِلْم سمّاه ابن خلدون بـ(علم الأدب)؛ وتبعا لذلك فالشّاعر والكاتب لا يُجيدان إلّا إذا كانا مُلِّمَيْن بذلك العلم.

          وفي كتاب (البرهان في وجوه البيان لابن وهب، _فقيه، وكاتب في الدّواوين العبّاسيّة_ ت. 335ه) نجد تفريعاً للمنثور الذّي يضمّ أربعة أنواع نثريّة، يقول: «فأمَّا المنثور فليْس يخلُو مِنْ أَنْ يكون خطابة، أو ترسُّلاً، أو احتجاجاً، أو حديثاً، ولكلِّ واحدٍ مِنْ هذه الوجوهِ موضعٌ يُسْتَعْمَلُ فيه»؛ إنَّ المنثور يتّخذ، إذنْ، أربعة أوجهٍ أو أشكالٍ يتحكّم في استعمالها عاملان هما: المواضع والمقامات؛ عِلْماً بأنَّ هناك تفاوتاً واضحاً بيْن هذه الأشكال الأربعة مِنْ حيْث الانتشار والتداول؛ إذْ لمْ يشتهر منْها إلا الخطابة والرّسالة. كما أنَّ ابن وهب يُقارن بيْن المنثور والمنظوم، فيقول: «اعلمْ أنَّ سائرَ العبارةِ في لسانِ العربِ إمَّا أَنْ يكون منظوماً أو منثوراً، والمنظومُ هو الشِّعْرُ، والمنثورُ هو الكلامُ»؛ ومعنى هذا أنَّ العبارة عنْد العرب إذا نُظِمَتْ كانت شعراً، وإذا نُثِرَتْ سُمِّيَتْ كلاماً. بَيْدَ أنَّ الكلام، في الحقيقة، تتَّسع دلالته لتشمل عنْد بعْض القدامى الشّعر والنّثر معاً.

          ومِنَ المعلوم أنَّ كثيراً مِنَ القدامى أَوْلوا الكلامَ عناية خاصّة، تعريفاً وتقيّيماً؛ يقول (أبو هلال العسكري ت. 395ه): «الكلامُ أيَّدكَ اللهُ، يَحْسُنُ بسلاستِه، وسهولتِه، ونصاعتِه، وتَخَيُّرِ لَفْظِهِ، وإصابةِ معناه، وجودةِ مطالعِه، ولِينِ مقاطعِه، واستواءِ تقاسيمِه، وتعادلِ أطرافِه...». إنَّ الكلام، بهذا المفهوم، يمكن أنْ ينطبق على الشّعر، كما يمكن أن ينْطبق على النّثر؛ غيْر أنَّ جودتَه لا تكتمل إلّا إذا جُمِعَ بيْن جمال اللّفظ والمعنى والأسلوب والإيقاع والبناء. وفي موضعٍ آخر، يَعتبر أبو هلال الكلامَ جِنْساً عامّاً تنْدرج تحته مجموعة مِنَ الأجناس الفرعيّة؛ يقول في هذا الإطار: «أجناسُ الكلامِ المنظومِ (ثلاثةٌ): الرّسائلُ، والخَطَبُ، والشِّعْرُ. وجميعُها تحتاجُ إلى حُسْنِ التّأليفِ وجودةِ التّركيبِ»؛ والملاحظ أنَّ كلمة (المنظوم)، الواردة في هذه المقولة، تُثِيرُ بعْض الارتباك والغموض إذا ما تمَّ قَصْرُ دلالتِها على الشّعر وحده؛ غيْر أنّ المقصود بخلاف ذلك؛ إذْ تدلّ على التّأليف والتّركيب الجيّدين بيْن أجزاء القول، سواء أ تعلّق الأمر بالنّثر أمْ بالشّعر.

          وممَّن يؤكّد أنَّ الكلامَ يشمل فنيّ الشّعر والنّثر ابن خلدون الذّي يقول: «اعلمْ أنَّ لسانَ العربِ وكلامَهم على فنّيين: في الشّعرِ المنظومِ وهو الكلامُ الموزونُ المقّفى... وفي النّثرِ وهو الكلامُ غيْر الموزونِ وكلُّ واحدٍ مِنَ الفنّين يشتملُ على فنونٍ ومذاهبَ في الكلامِ». إنَّ ابن خلدون، في هذا النصّ، يقوم بعمليّة تصنيفيّة لكلام العرب مستنداً إلى معيارٍ واحدٍ هو الوزن، مع وعيِّهِ بأنَّ كلّ جِنْسٍ أدبيٍّ، شِعْراً كان أو نَثْراً، يضمّ أجْناساً فرعيّةً أو أنواعاً واتجاهاتٍ؛ غيْر أنّه في تصنيفه لمْ يسلمْ مِنْ تأثير المعايّير الشّعريّة.

          أمَّا الكتابة، فتتميّز عن الكلام؛ إذ ْغالباً ما تُشير إلى النّثر، وخاصّة ما تعلّق منْه بكتابة الرّسائل، وهذا ما يدلّ عليه السّياق في أقوال بعْض القدامى، يقول أبو هلال العسكري: «فأوَّلُ ما ينبغي أَنْ تَسْتَعْمِلَهُ في كِتَابَتِكَ... مُكَاتَبَةَ كُلَّ فَرِيقٍ منْهم على مِقْدَارِ طَبَقَتِهم وَقُوَّتِهم في المَنْطِقِ»؛ فالكاتب مطالب، في رسائله، بمراعاة الأحوال الاجتماعيّة والقُدُرات العقليّة. و المقصود بـ(الطّبقة) أصناف النّاس وفئاتهم الاجتماعيّة؛ كالملوك والوزراء، والعلماء، والكُتَّاب والخُطَباء، والأدباء والشّعراء، وأوساط النّاس وسُوقَتِهم.

2 ــ النّثر وإشْكال الأجْناس الأدبيّة:

          سبقتْ الإشارة إلى أنَّ أجناس الكلام، حسْب أبي هلال العسكري، ثلاثة هي: الرّسائل والخُطَب والشّعر،  والحقيقة أنَّ الرّسائل والخُطَب جِنْسَان أدبيّان ينْدرجان ضمْن فنٍّ أو جِنْسٍ عامٍّ هو النّثر؛ والظّاهر أنَّ تصنيف النّثر إلى خُطَبٍ ورسائل ناتجٌ عن اعتمادِ معيارٍ واحدٍ هو الشّكْل. والحقيقة غيْر ذلك؛ لأنَّ أنْواعاً نثريّةً أخرى يتمّ إغفالها فلا تُذْكَرُ، ومنْها المقامة التّي تختلف شكْلاً ومضْموناً عن الخُطَبِ والرّسائلِ. ومعنى ذلك أنَّ عمليات التّصنيف والتّجنيس التّي يخضع لها النّثر تتحكّم فيها معايّير أخرى غيْر الشّكل والوزن بصفةٍ عامّةٍ.

       إنَّ تحديد النّثر في الخُطَب والرّسائل، راجعٌ إلى ثلاثة عوامل هي:

1-               عاملٌّ إداريٌّ وسياسيٌّ؛ إذْ اتّخذت السّلطة السّياسيّة مِنَ الخُطَب و الرّسائل وسيلةً لتمرير خطاباتها، ولتدبير شؤون العباد والبلاد.

2-               عاملٌ ذو طابعٍ تداوليٍّ، ويتمثّل في شُيُوع وانتشار هذين الجِنْسَيْنِ مِنْ أجناس النّثر وهيمنتِهما على باقي الأجناس.

3-              عاملٌ يرجع إلى الجوانب الوظيفيّة في الخُطَب والرّسائل؛ إذْ تتميّزان بفعاليّتهما في تبليغ الخطابات، وكفاءتهما وقُدْرتهما على تحقيق الأهداف المتوّخاة منهما.

          لكن، وكيفما كان الحال، فإن جميع العوامل المذكورة سابقاً، وإنْ فَسَّرَتْ جانباً مِنْ هذه الظّاهرة، فإنّها لا تبّرر إغفال الدّارسين ــقديماً وحديثاًــ للأجناس النّثريّة الأخرى، كالمقامة والوصّيّة والحكمة والمَثَل والخَبَر. والظّاهر أنَّ الإغفال لمْ يقتصرْ على مرحلة ما قبْل التّدوين، بلْ استمرّ ــبأشكالٍ مختلفةٍــ في مرحلة التّدوين وما بعْدها. وكيفما كان الحال، فمِنَ اللّازم الإشارة إلى أنَّ الشّعـر بسُلْطَتِه وبأشكالِ تلقّيه، كان مِنَ الأسباب التّي نَفَّرَتْ مِنَ الأنواع النّثريّة الأخرى، أو ساهمتْ في تهميشها لـ«أسباب أدبيّة تتلّخص في "سُلْطَةِ الشِّعْرِ"...»، ويُمْكِنُ أنْ نُضِيف إلى ذلك كلِّه سبباً آخر ذا بُعْدٍ منهجيٍّ يتمثّل في «عدم النّظر إلى النّثر العربيّ القديمّ نظرةً شموليّةً باعتباره نظاماً مِنَ الأجْنَاسِ المتداخلةِ».

          وعُمُوماً يُمْكِنُ القَوْل أنَّ النّثر فنٌّ أدبيٌّ، يتفاعل بطريقة أو بأخرى، مع عوامل الزّمان ومعطيات الواقع، لهذا يظلّ دائماً قابِلاً للتطوّر والتغيّر؛ فعلى سبيل المثال «كانَ العصرُ العباسيُّ الأوّلُ عَصْراً خطيراً حقّاً في تطوّرِ النَّثْرِ؛ إذْ تحوّلتْ إليه الثّقافات اليونانيّة والفارسيّة والهنديّة، وكلُّ معارفِ الشّعوبِ التّي أَظَلَّتْهَا الدّولةُ العباسيّةُ». ولقد سمح هذا العامل بظهور أنماطٍ أخرى مِنَ النّثر؛ يقول شوقي ضيف (مِنْ كتاب العَصْر العبّاسيّ الأوّل): «وكان ذلك إِيذَاناً بتعدُّدِ شُعَبِ النَّثْرِ العربيِّ وفُرُوعِه، فقدْ أصْبح فيه النَّثْرُ العِلْمِيُّ والنَّثْرُ الفلسفيُّ، وأصبْح فيه أيْضاً النَّثْرُ التَّاريخيُّ، على شاكلةِ ما كان عنْد الأُمَمِ القديمةِ، وحتَّى النَّثْرُ الأدبيُّ الخالصُ أخذَ يَتَأَثَّرُ بِمَلَكَاتِ اللُّغَاتِ الأجنبيّةِ وخاصّةً اللُّغَةُ الفارسيّةُ »؛ وبهذا تحرّر النّثر العربيّ، مِنْ خلال تَفَاعُلَاتِه الحضاريّة، مِنْ بعْض القُيُود الأدبيّة، وانْعطف نحْو ألوانٍ مِنَ الفِكْرِ والعِلْمِ والثّقافةِ بصفتِه الِجنْس الأدبي الأَقْدَر على استيعاب تلك المعارف والتّعبير عنْها.

          إِنَّ هذا النُمُوّ والازدهار يُمَثِّلُ نقطة تحوّلٍ رئيسةٍ في تاريخ النّثر العربيّ لمْ تتيّسرْ له مِنْ قبْل، وذلك لكونه انْفتح على مجالاتٍ أخرى أسْهمتْ في إثرائه وطبْعه بسماتٍ جديدةٍ. ومَرَّدُ ذلك أنَّ المضامين والقضايا الجديدة فرضتْ اعتماد أساليب وأشكالٍ تعبيريّةٍ مبتكرةٍ تنزاح عمّا كان سائداً في مجال النّثر الأدبيّ.

 

 

 

 

 


                                                  قضيّة التّأويل في النّقد الأدبيّ القديم

مفهوم التّأويل: هو تحديد المعاني اللّغويّة في العمل الأدبيّ مِنْ خلال التّحليل، وإعادة صياغة المفردات والتّراكيب؛ ومِنْ خلال التّعليق على النصّ، وهذا يركّز على مقطوعات غامضة أو مجازيّة يتعذّر فَهْمُهَا؛ أيْ: توضيح مرامي العمل الفنّي ككلّ.[1]

          أدرك النّقد العربيّ منْذ وقتٍ مبكِّرٍ _ومِنْ قبْل أنْ يصبح ذلك قضيّة يتناقلها اليوم نقّاد الحداثة وما بعد الحداثة– أنَّ النصّ الأدبيّ غنيّ بالدّلالات، وأنّه مِنْ أجل ذلك قدْ يحتمل وجوهاً متعدّدة مِنَ التّأويل، وقدْ يتّسع فيه مجال التّفسير والقراءة، وإبداء الرّأي.

       جاء في كتاب الوساطة بيْن المتنبّي وخصومه في (نقد علي بن عبد العزيز القاضي الجرجاني، ت. 392ه) لبيْت أبي الطيّب المتنبي (ت. 354ه):

مَا بِقَوْمِي شَرُفْتُ بَلْ شَرُفُوا بِي ******* وَبِنَفْسِي  فَخَرْتُ لَا بِجُدُودِي

       فختم القول بأنّه لا شرف له بآبائه، وهذا هجاء صريح. وهناك مَنْ أعذاراً له فيَزْعَمُ أنّه أراد: مَا شَرُفْتُ فقط بآبائي؛ أيْ لي مفاخر غيْر الأبوّة، وفِيّا مناقب سوى الحَسَب. وباب التّأويل واسع، والمقاصد مُغَيَّبَةٌ. وإنّما يُسْتَشهد بالظّاهر، ويُتَّبع موقع اللّفظ.

          وأورد ابنُ رشيق القيرواني (ت. 456ه) بيتَ امرئ القيس في وصفِ فرسِه:

مكرٍّ مفرٍّ مقبلٍ، مدبر معاً ******* كجُلمود صخرٍ حطَّه السّيلُ من عَلِ

***اكتشف العلماء أنَّ الحصان فعلاً يكّر ويفّر في الوقت نفسه، وكان ذلك مِنْ خلال مراقبتهم لجريّ الحصان؛ إذْ لاحظوا أنّه أثناء جريّ الحصان تكون رجلاه الخلفيّتان تتقدّم في اللّحظة نفسها التّي تتأخّر فيها رجلاه الأماميّتان، وعندما تبدأ رجلاه الأماميّتان في التقدّم تتحوّل حركة رجليه الخلفيّتين إلى التأخّر؛ وهكذا يُقْبِلُ الحصان ويُدْبِرُ، ويَكِّرُ ويَفِّرُ في الوقت نفسه. أمَّا عن قوله (كـجلمود صخر)؛ فالجلمود هو أحد أنواع الصّخور ويُسَمُّونَه الصّخر الأصّم؛ والمقصد هنا أنَّ الفرس عندما يكّر ويفّر ويُقْبِلُ ويُدْبِرُ يكون كـالكتلة الواحدة وتكون حركتُه في اتّجاهٍ واحدٍ***

   تحت ما سمّاه (باب الاتّساع) فذكر أكثر مِنْ تفسير له، ثمّ عقّب على ذلك هذا التّعقيب الذكيّ، فقال: (يقول الشّاعر بيْتاً يتّسع فيه التّأويل، فيأتي كلُّ واحدٍ بمعنى، وإنَّما يقع ذلك لاحتمال اللّفظ، وقوّته، واتّساع المعنى).

          وزاد عبد القادر البغدادي (ت. 1093ه؛  أديب ولغويّ ونحويّ محقّق _وُلِدَ ببغداد وتوفيّ في مصر، ويمثّل البغدادي تيّاراً مِنَ التيّارات النّثريّة في العصر العثمانيّ) في خزانة الأدب على ما أَثْبَتَهُ ابن رشيق مِنْ توجيهات لبيْت امرئ القيس، ثمَّ علَّق على ذلك قائلاً: (هذا ولمْ تخطر هذه المعاني بخاطر الشّاعر في وقت العمل. وإنّما الكلام إذا كان قوّيّاً مِنْ مثْل هذا الفَحْل احْتَمَلَ لقوّته وجوهاً مِنَ التّأويل بحسْب ما تَحْتَمِلُ ألفاظُه، وعلى مقدار قوى المتكلّمين فيه).

التّأويل وقصْد المتكلِّم:

          يحترم النّقدُ العربيّ النصّ ودلالاته اللّغويّة، وذلك مُقَدَّمٌ عنْده على ما يُسمّى بـ(مقصديّة المؤلِّف)، وفي هذا الصّدد ردّ الآمدي ت. 631ه –صاحب كتاب الموازنة بيْن الطّائيّين: أبي تمام والبحتريّ– على تهمة وجّهها إليه أنصار أبي تمام، بأنّه لمْ يفهم ما قصدَه شاعرُهم مِنْ كلامِه _بهذه العبارة النّقديّة المهمّة، التّي تضع قاعدة موضوعيّة دقيقة للتّأويل_:

   قال الآمدي): ليْس العملُ على نيّةِ المتكلِّمِ، وإنّما العملُ على ما تُوجِبُه معاني ألفاظِه.

 

  وهي عبارة تُسْتَنْبَطُ منْها –على إيجازها– مجموعةٌ مِنَ الأحكام التّي تتعلّق بتأويل الكلام أو تفسيره، منْها:


1- أنّ النصَّ وحدَه هو المُخَوَّلُ بإعطاء الدّلالة، وفرز المعنى المُرَاد، ومنْه وحدَه تُسْتَنْبَطُ الأحكامُ، وتُسْتَخْرَجُ المفاهيمُ، وبذلك يحتفظُ النصُّ –بما تَمُدُّهُ معاني ألفاظِه– بِهَيْبَتِه ومكانتِه وسلطانِه، ولا يَعْتَدِي عليه مُعْتَدٍ.

2- أنّ فكرة (المعنى في بطن القائل) –كما يقول بعضهم– غيْر صحيحة؛ لأنَّ النّاقد لا يُعَوِّلُ على نيَّات المتكلِّم، وهو غيْر قادر على ذلك أصلاً: لا شرْعاً ولا عقْلاً؛ فالنّيّات لا يعلمها إلا علاَّم السَّرائر، والنّاقد ليْس عرَّافاً ولا قارئ فنجان، وإنّما هو مُتَلَقٍّ يقوم بنشاط عقليّ منطقيّ تُمْلِيه لغة النصّ الذّي أمامه، وطبيعة ألفاظه وعباراته. وهذا عندئذٍ يُلْغِي فكرة (مقصديّة المتكلِّم) ويُحِيلُ على مقصديّة النصّ، ويُعْطِيه السّلطان على نحو ما فعلت البنيويّة بعْد ذلك بقرون.

3- أنّ سلطان القارئ، أو سلطان المتلقّي –خلافاً لما يقوله التفكيكيّون وأصحاب نظريّة التلقّي– مُنْضَبِطٌ بالنصّ المقروء، مَحْكُومٌ بدلالة ألفاظه، ومعاني عباراته، وليْس سلطاناً مطْلقاً، يجعل هذا القارئَ يُؤَوِّلُ النصّ كما يشاء، أو يقرؤه على هواه، حتّى لِيُقَوِّلَه ما لمْ يَقُلْ، أو يُنْطِقَه بما لمْ ينطقْ.

4-  عبارة الآمدي النّقديّة البليغة لا تُنْكِرُ ما يمكن أنْ يحمله النصّ مِنْ دلالات متعدِّدة، أو توجيهات مختلفة، ولكنّها _مرّة أخرى_ تجعل ذلك نابعاً مِنَ النصّ ذاته بما فيه مِنْ إمكانات، وبما يُفْرِزُه مِنَ المعاني والأفكار، وليْس بما يُحْمَلُ عليه حَمْلاً، أو يُكْرَهُ عليه إِكْرَاهاً، استجابةً لسلطانٍ زُعِمَ أنَّ القارئَ وحدَه هو الذّي يَمْتَلِكُه. إنَّ الصّيْد في جوْف النصّ، والقارئ هو مَنْ يَسْتَخْرِجُه، ولنْ يستطيع أنْ يَسْتَخْرِجَه –دائماً– أيُّ قارئٍ، بلْ القارئُ الدَّرِبُ المُتَمَرِّسُ، وبذلك نحترم طرفيْن مِنْ أطراف معادلة العمليّة الأدبيّة، هما النصّ والقارئ، ولا نستهين بأحدهما أو نُسْقِطَه انحيازاً للطّرف الآخر.

5- إنّ الاحتكام إلى النصّ لا يعني تجريده – كما يفعل البنيويّون– مِنْ كلِّ خارجٍ: كالمجتمع، أو التّاريخ، أو السّيرة، أو ما شاكل ذلك؛ لأنَّ هذا الخارج قدْ يكون في أحيان غيْر قليلة جزءاً مِنَ الدّاخل، وقدْ تكون (معاني ألفاظِه) التيّ يُحِيلُ عليها الآمدي محكومةً بهذا الخارج، بلْ آخذةً أبعادَها الحقيقيّة مِنْ خلاله، فقدْ يكون –وما أكثر الأمثلة على ذلك– هذا الخارجُ هو الذّي شكَّلها على هذا النّحو أو ذاك، فأصبح جزءاً مِنْ دلالتها.

          وهاهو الآمدي نفسُه الذّي يُحِيلُ على سلطان النصّ، وما تُوجِبُه معاني ألفاظِه يُحِيلُ في شعر أبي تمام نفسِه إلى هذا الخارج، ويُوضِحُ أنّ التقاط معاني الألفاظ قدْ لا يتّضح إلّا بمعرفة هذا الخارج.[2]

      



[1]. محمّد يوب، نظريّة التلقي والتّأويل في النّقد الأدبيّ عنْد العرب، القدس العربيّ، 20 ديسمبر 2015، تاريخ الزّيارة: 06 أبريل 2020، www.alquds.co.uk

[2]. المقال عن وليد قصاب، مِنْ قواعد التّأويل في النّقد العربيّ، شبكة الألوكة، 27/01/2007م_08/01/1428هـ، تاريخ الزّيارة: 06 أبريل 2020م، www.alukah.net



لتحميل محاضرات المقياس يرجى من طلبة الماستر تخصص ادب جزائري الضغط على ايقونة قسم الادب العربي ثم الضغط على المقرر او المقياس لتظهر لهم المحاضرات في شكل pdf

ويقوم الطالب بتحميلها بسهولة.

ولمن وجد صعوبة في تحميلها او استحال عليه ذلك يرجى الاتصال ببريد استاذ المقياس الاتي:

dawajiaek@gmail.com

بالتوفيق

مدخل إلى الأدب الكولونيالي في الجزائر (بداياته ،خصائصه ،منطلقاته الفكرية ومميزاته الفنية)

يمكن القول إن الأدب الكولونيالي بدأ منذ سنوات الاحتلال الأولى للجزائر على يد بعض الضباط وصف الضباط و الجنود ممن كانوا يتمتعون بمواهب أدبية، و نجد أن أقدم عمل في هذا الميدان يعود إلى سنة 1847 حسب ما يذكر " شارل طايار" في كتابه البيبليوغرافي المسمى " الجزائر في الأدب الفرنسي"[1] و هو عبارة عن ديوان شعر بعنوان les étrennes du prince، و هو بقلم صف ضابط يدعى:(أ.أكاري) A.Accary، كما نجد أقدم نص روائي يعود إلى سنة 1856بعنوان " جروة أو ابنة الصحراء" بقلم المدعو سيمون آش simon Ach .[2]

و تشكل النصوص الأدبية التي كتبها و نشرها الكتاب الرحالون رافدا مهما في هذا الأدب، و لعلها تشكل أهم النصوص في هذا الأدب لأنها كتبت بقلم كتاب كبار معروفين، يأتي في مقدمتهم تيوفييل كوتيي الذي كان من أوائل الكتاب الكبار الذين زاروا الجزائر و كتبوا من وحيها العديد من النصوص، وذلك سنة 1845, يأتي بعده " أوجين فرومونتان" سنة 1847و 1853، و ألفونس دوديه سنة 1862، وغي دي موباسان سنة 1880و1884 و أندري جيد في وقت متأخر. و تشكل أعمالهم التي كتبوها عن الجزائر اليوم شهادات حية ذات قيمة أدبية عالية. و قد عرفت أعمالهم باسم "أدب الاغتراب" أو La  littérature exotique .

ظل هذاا النوع من الأدب الاغترابي هو السائد إلى بدايات القرن العشرين حيث بدأت تبرز ملامح أدب استيطاني بقلم كتاب ولدوا في الجزائر و نشؤوا في ظل المجتمع الكولونيالي، و أسهموا في وضع أسس الأيديولوجيا الاستعمارية، و يأتي على رأسهم " لوي برتران" louiss bertrand، الذي سيكون أحد كبار منظري الأيديولوجيا الاستعمارية، بمعية روبير راندوrobert randot. و قد بدؤوا حركتهم برفض الأدب الاغترابي، و أطلقوا عليه اسم" أدب البطاقات البريدية" la littérature des cartes postales. و قالوا عنه إنه لا يعبر عن الجزائر، و لا عن المجتمع الكولونيالي الجديد، و بدأوا بوصف أنفسهم بالكتاب الجزائريين، و كتبوا أدبا أرادوه أن يكون من " داخل الجزائر"، يتمتع باستقلاليته، في مقابل الأدب الذي كتبه " عن الجزائر" كتاب من الخارج"[3]. و قد أكد" ميزات" – و هو أحد أبرز وجوه ذلك الأدب الاستيطاني المستقل-[4]هذه الصفة حتى بالنسبة لبطل قصصه الشهير " كاغايو" حين يسأل " أأنتم فرنسيون؟" فيجيب" لا، نحن جزائريون"[5]

و قد نتج عن التصريحات و المناقشات و الجدال الذي دار منذ بداية القرن و إلى بداية العشرينيات، بين المستوطنين من جهة، و بينهم و بين منابر أدبية في " المتربول "، حول وجود" أدب استيطاني" في الجزائر، ألى بعث ما يشبه" مدرسة أدبية" اتخذت من مجلة " فرنسا الكبرى" و الحياة"، و "ميركور دو فرانس"، و " مجلة العالمين"، و إلى حد ما"جريدة " الوقت" ( لوتان)، منبرا لنشر أفكارها، و هي الأفكار التي تبلورت شيئا فشيئا، لتعرف فيما بعد بحركة " الجزأرة": (algérianismeL ).[6]

و في هذا السياق أصدر المسوطنون سنة1906" مختارات من الشعر الجزائري"[7] لم يكن من بين شعرائها في الواقع اسما واحدا جزائريا فعلا، أي من أبناء البلد الأصليين، و تكرر نشر مثل هذه المختارات الشعرية سنة 1920، و القصصية سنة 1925[8]، و في هذه المرة الأخيرة ، و تحت تأثير التغيير الذي جاءت به قوانين 4 فبراير 1919، خرج ناشروا " المختارات" عن التقليد المعمول به من قبل، ليضموا على احتشام اسما واحدا من " الأهالي" هو اسم عبد القادر حاج حمو[9]، و لكن دون أن يتخلوا عن طروحاتهم الاستعمارية المعتادة، حيث نجد لويس برتران- الأب الروحي للكتاب المستوطنين- يعلن بكل سرور في المقدمة أنه (( تحقق في هذه " المختارات" ما كان يأمله منذ خمسة و عشرين عاما، و هو ميلاد إفريقيا اللاتينية)).[10]

و تكريسا لهذا الاتجاه الاستيطاني في الأدب، أنشأ الكتاب المستوطنون هياكل تنظيمية تسنده، و تقاليد تعطيه شخصيته المتميزة، و استقلاليته عن " المتروبول" فأسسوا في سنة 1921 جمعية أدبية أطلقوا عليها اسم " جمعية الكتاب الجزائريين"، و مجلة تنطق باسم الجمعية سموها " إفريقيا" [11]

هوامش المحاضرة :

1- Charles tailliart «l’algérie dans la littérature française »librairie ancienne edouard champion. paris 1295, p 11.                 

2- Ibid , p 28 .                                                              

3- Jean déjeux « la littérature algérienne contemporaine », p p 11-12 .                                                                  

4- هو" أوغيست روبيني: Auguste robinet" المشهور ب " ميزات: musette"، من مواليد الجزائر (1862-1930)، نشر على مدى عشرين سنة سلسلة من قصص " المغامرات"، تصور مشاهد و مواقف" فكاهية" من حياة بطله" كاغايو"، الذي يقدمه الكاتب كنموذج يعكس عقلية مجتمع المستوطنين الجدد، و يتصف بالقوة الجسدية، و حب النساء، و هو (( مشاكس و عنصري و ديماغوجي)) راجع:- jean déjeux «  la littérature algérienne contemporaine », p 23 .   

5- Fadhila yahiaoui «  roman et société coloniale, dans l’Algérie de l’entre deux – guerres… »ed .ENAL-Gam, Alger-bruxelles. 1985. P 17.                                                               

6- Fadhila yahiaoui «  roman et société coloniale, dans l’Algérie de l’entre deux – guerres… »p 61-62.                            

7- Jean déjeux « la littérature algérienne contemporaine » p 26.

8- Ibid . p 27-28.                                                         

9- صاحب رواية " زهراء امرأة المنجمي" التي أصدرها سنة 1925، و تعد أول رواية يكتبها جزائري باللغة الفرنسية.

10-       Jean déjeux « la littérature algérienne contemporaine »p 29

11-       و أنشأوا بعدها عدة مجلات أخرى، منها مجلة" الجزائر: Algéria " و المجلة اللاتينية"، " و مجلة افريقيا الشمالية". راجع:

Fadhila yahiaoui : roman et societé coloniale ; p 24.                     



 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


المكونات السردية في بنية الرواية:

1-الشخصية و إشكال الإحالة الضميرية. أصنافها و علاقاتها السردية:

تقديم:

ما إن تذكر الرواية حتى تذكر الشخوص، إذ لا رواية بلا أشخاص فهم ركيزة الروائي الأساسية في الكشف عن القوى التي تحرك الواقع من حولنا، و عن ديناميكية الحياة و واقعيتها و تفاعلاتها، فالشخصية هي أولا و أخيرا من المقومات الرئيسية للرواية و الخطاب السردي بصفة عامة.

غير أن الشخصية مهما كانت لها القدرة على الإيحاء تبقى عاجزة على المستوى السردي عن تقديم نفسها إلا إذا أحاطها الروائي بشبكة من العلاقات التي تربطها بعناصر السرد الأخرى، ( السارد، الفضاء" الزمان و المكان"، الأحداث، الوصف)و الشخوص هم الأفراد الخياليون الذين تدور حولهم الرواية أو المسرحية أو القصة، و بسبب الدور التي تتطلع به الشخصيات في السرد الروائي جرى الاعتراف بالروائي على أساس مقدرته على رسم الشخوص، فالروائي الجيد هو الذي يستطيع أن يبتكر و يبدع في رواياته شخصيات جيدة، و دليل ذلك أن بلزاك لم يشتهر إلا بشهرة الأب أوريو مثلما اشتهر غيره من الروائيين و قصاصين أمثال: فراتسر كافكا، انطوان شيكوف، كيجي دوموباسن، محمود تيمور، نجيب محفوظ.

 من المعروف أن الرواية منذ بدايتها في قرنين 18 و 19 عشر اهتمت اهتماما كبيرا بالشخصية، ولا سيما عنايتها بملامحها الخارجية و تصوير مظهرها بدقة فضلا عن منزلتها الاجتماعية و علاقتها بالآخرين، بحيث قربتها من الإنسان في عالم الحياة( في الواقع المعاش).

كما اهتمت بفرادة الشخصية إلى حد الوصول بها إلى النمطية و العمومية التي تجعل منها نموذجا شبه كوني، و لعل من أبرز الذين منحوا الشخصية الروائية أو القصصية هذه الكفاءة الفنية فرانس كافكا، غوغول، انطوان تشيكون، بلزاك، دويستفسكي.  

مفهوم الشخصية:    

يمثل مفهوم الشخصية عنصرا محوريا في كل سرد،( طريقة الكاتب في عرض عناصر الرواية) بحيث لا يمكن تصور رواية بدون شخصيات، و من ثم كان التشخيص هو محور التجربة الروائية، و تتخذ الشخصية في النظريات السيكولوجية جوهرا سيكولوجيا و تصير فردا أي ببساطة كائن إنساني.

و في المنظور الاجتماعي تتحول الشخصية إلى نمط اجتماعي يعبر عن واقع طبقي و يعكس وعيا إيديولوجيا ، و بخلاف ذلك لا يعامل التحليل البنيوي الشخصية باعتبارها جوهرا سيكولوجيا و لا نمطا اجتماعيا، و إنما باعتبارها علامة يتشكل مدلولها وحدة الأفعال التي تنجزها في سياق السرد .