شهد النقد الأدبي في القرن العشرين تحولاتٍ جذرية نقلته من الاهتمام بالمؤلف وسياقه التاريخي والنفسي، إلى التركيز على النص الأدبي بوصفه بنية مستقلة لها قوانينها ونظامها الداخلي. وفي هذا السياق ظهر النقد البنيوي باعتباره أحد أهم المناهج النقدية الحديثة، مستندًا إلى منجزات اللسانيات وعلى رأسها أعمال فردينان دي سوسير، التي أعادت تعريف اللغة كنظام من العلاقات لا كمجرد وسيلة للتعبير.
ينطلق النقد البنيوي من افتراضٍ أساسي مفاده أن معنى النص لا يستمد من خارجه، بل يتشكل من خلال العلاقات المنظمة بين مكوناته الداخلية: الأصوات، والوحدات المعجمية، والتراكيب، والدلالات، والرموز، بالنسبة للنصوص الشعرية، والسرد ومكوناته بالنسبة للنصوص السردية. لذلك يسعى هذا المنهج إلى تفكيك النص من الداخل، والكشف عن البنى العميقة التي تحكم اشتغاله، بعيدًا عن مقاصد المؤلف، أو ردود فعل القارئ.
وتكمن أهمية النقد البنيوي في كونه منهجًا علميًا يحاول دراسة الأدب بأدوات دقيقة ومنضبطة. وفي سعيه إلى وصف آليات اشتغال النص وتحليل نظامه الداخلي، والكشف عن القوانين التي تمنحه تماسكه ودلالته، وذلك دون إصدار أحكام قيمية عن النص او صاحبه، وهو ما يميّزه عمّا سبقه من المناهج النقدية.
وستحاول من خلا ل هذه المحاضرات الإحاطة بمفهوم البنيوية، وروافدها، وأصولها الفكرية، ومقولاتها ومصطلحاتها الأساسية، وتطبيقاتها في تحليل النصوص الأدبية، مع الإشارة إلى أبرز أعلامها وحدودها النقدية، تمهيدًا لفهم موقعها ضمن سلسلة المناهج النقدية الحديثة.
- معلم: FETTAK Fatma Zohra